وانطلق عبد الله إلى مهمته متوشحًا سيفه، ووصل " نخلة " عصرًا وقد وجبت الصلاة، ونظر حوله فرأى جمعًا هائلًا وحركة كبيرة والتفت يبحث عن بغيته فرآه مع مجموعة من نسائه يرتاد لهم موضعًا ينصب فيه أخبيتهم فكانت فرصة قد لا تواتي مرة أخرى، وأجال عبد الله خطته في ذهنه وخشي أن تفوته الفرصة وخشي على صلاة العصر أن تفوته، إذ قد يشتبك مع عدوه في مصاولة ومبارزة، فصلى إيماء وهو يمشي نحو عدوه.
وانتهى عبد الله إلى خالد، فلما رأه خالد قال له: من الرجل؟
قال عبد الله: رجل من العرب سمع بك وبحمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك.
[ ٤٩ ]
قال خالد: أجل إني لفي ذلك وما أظنه سيثبت لي ومعي هذا الحشد من الرجال، وإن هي إلا أيام وتكون المدينة وما فيها نهبًا لرجالي، فأهلً بك معنا يا أخا العرب!
وترك خالد نساءه ومشى يحدث عبد الله بما أجمع عليه وما يأمل الحصول عليه من ثمار المدينة وخيراتها، وسار ابن أنيس يزين له فعله ويحبب اليه مقصده، وكان عبد الله حسن الحديث لطيف العبارة، فأنس به خالد وأمنه على نفسه، وظل عبد الله يجاذبه الحديث وهو ينتظر فرصته فلما واتته اقتنصها فاستل سيفه وضرب به رأس عدو الله فأطاحه ووقع جسده على الأرض فأحدث ضجة نبهت نساءه فالتفتن نحوها فرأين رأس خالد يتدحرج بعيدًا عن جسده، فصرخن صرخة الموت فاندفع عبد الله ينجو بنفسه واندفع نساء خالد ورجاله إليه، وأخذتهم المفاجأة وشغلهم هولها عن عبد الله وانصرفوا إلى صاحبهم يندبونه وعندما أفاق فريق منهم من هول المفاجأة وفكروا في اللحاق بالقاتل كان هذا قد أعجزهم وفاتهم منه ما يطلبون.
وما إن انتهى القوم من مواراة قتيلهم التراب حتى بدأ جمعهم يتفكك، وما إن أصبح الصباح حتى كانت نخلة قد لفظتهم فلم يبق منهم أحد، وكفى الله رسوله والمؤمنين القتال.
[ ٥٠ ]
أما الفدائي الصحابي عبد الله بن أنيس فقد امتلأ قلبه غبطة وسرورًا، لقد أنجز المهمة كما أرادها رسول الله لقد خلص المسلمين من شر مستطير وخطر عقيم!