عندما أشرقت شمس الإسلام بنورها على يثرب اضاءت قلوبا وغمرتها بالايمان وعشت عن نورها أعين فاسودت منها القلوب وأظلمت منها العقول فازورت عن الايمان وبرمت بالمؤمنين وناصبتهم العداء.
وقد أصابت هذه الحال بعضًا من قبائل الأنصار، فكان منهم المؤمنون المخلصون في ايمانهم المضحّون في سبيل إسلامهم، وكان منهم الكافرون المتامدون في ضلالهم المبالغون في عدائهم.
ومن قبائل الأنصار التي انقسمت بين الفريقين قبيلة من الأوس هم بنو عمرو بن عوف، فكان من مؤمنيهم الصادقين سالم بن عمير، وكان من كافريهم الحاقدين رجل من سراتهم يدعى أبو عفك.
أبو عفك. . اليهودي
كان أبو عفك عربيا من بني عمرو بن عوف تأثر بجوار اليهود للأوس في يثرب فآمن باليهودية ودان بها وتعصب لها.
[ ١٦٣ ]
وعندما وصل الرسول – ﷺ – إلى يثرب ناصبه يهود العداء لأنهم رفضوا أن يكون النبي الخاتم من غيرهم، وهم من قبل رفضوا أن يؤمنوا بأي نبي من غير بني إسرائيل.
كان عداء اليهود للنبي ودينه يتقلب بين السر والعلن، فهم تارة يُسرون بهذا العداء ويكتمونه، وتارة أخرى يجهرون به ويعلنونه، وكان من بينهم نفر أبوا أن يسروا عداءهم، فأعلنوه وجاهروا به وبالغوا فيه، وكان هؤلاء النفر من العرب الذين دانوا باليهودية وآمنوا بها، وعلى رأس هؤلاء كان أبو عفك ومثله كان كعب بن الأشرف، فأبو عفك أوسي وكعب بن الأشرف طائي!
كان الموقف المنطقي لليهود أن يؤمنوا بالرسول – ﷺ – وهو مكتوب عندهم في التوراة. .
وكان الموقف المنطقي لهم اذ لم يؤمنوا أن يكونوا للنبي حلفاء، فهم أهل كتاب والرسول صاحب كتاب. . .
وكان الموقف المنطقي لهم، إذ لم يفعلوا هذا أو ذاك أن يحفظوا حق الجوار، فالرسول – ﷺ – جار لهم في المدينة، وكان ﵊ خير من حفظ الجوار ورعاه.
ولكن اليهود، كعادتهم، لم يكونوا منطقيين مع أنفسهم أو مع الأحداث التي تدور من حولهم، فقد انكروا رسالة الرسول، وحالفوا المشركين ضد الموحدين، واختاروا الوقوف إل جانب مشركي مكة، على بعد الشقة بينها وبين المدينة، ضد من جاورهم من المسلمين في يثرب.
[ ١٦٤ ]
اشتعال الأحقاد بعد بدر
وعندما انتصر المسلمون في بدر، ووصل البشير بأخبار النصر المبين إلى يثرب لم يصدق اليهود النبأ أو لم يريدوا أن يصدقوه، فقد كانوا يعتبرون انتصار الاسلام هزيمة لهم وإضعافا لمكانتهم في المدينة، لذا وقفوا من النصر مواقف متباينة كلها تدل على حقدهم الدفين للاسلام والمسلمين، فقد كانوا بين مشكك في النصر وبين هازيء به وبين مهدد بالانتقام لقتلى المشركين من قريش.
وشرعوا في إيذاء المسلمين، ولم يكفوا عن الايذاء حتى بعد عودة الرسول الى المدينة يقود خلفه سبعين من الاسرى المقرنين بالحبال والأصفاد، بل ان ذلك زاد في احقادهم، فزادوا لذلك في ايذائهم. . .
وتولى كبر المجاهرة بالعداء نفر من العرب المتهودين على رأسهم أبو عفك الأوسي.
ولم يمنع ما بلغه أبو عفك من سنٍّ أربت على المائة، وقيل أنها بلغت مائة وعشرين، من التصدي للاسلام وأهله، فراح يذمهم في مجلسه، واجتهد في الصد عن الاسلام وبالغ في هذا الاجتهاد، وكان من أشد وسائله خطرًا هذه القصائد التي أخذ يقولها في ذم
الرسول ورسالته والمؤمنين ودعوتهم، وكان مما قاله في ذلك مخاطبًا المسلمين من قومه الأوس:
لقد عشتُ حينًا وما إن أرى من الناس دارًا ولا مجمعا
أجسم عقولًا وآتي الى منيب سراعًا إذا ما دعا
فسلبهم أمرهم راكب حرامًا حلالًا لشتى معا
فلو كان بالملك صدقتم وبالنصر تابعتم تُبّعا
[ ١٦٥ ]