نفوس جديدة:
اثنا عشر رجلًا عادوا إلى يثرب بعد أن بايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى.
عادوا إلى يثرب بقلوب غير القلوب التي ذهبوا بها.
عادوا بنفوس جديدة لم يكونوا يحملونها من قبل.
عادوا وقد نفضوا عن ضمائرهم غبار الحقد ورواسب العداوة والبغضاء.
عادوا وقد صمموا أن ينقلوا هذا الفيض النوراني الذي امتلأت به نفوسهم إلى إخوانهم الذين يغشيهم الحقد وتنهكهم الحروب.
[ ٥٩ ]
عادوا برؤية جديدة للحياة، وبنظرة جديدة لمهمة الإنسان.
إنهم يودون لو أنهم ملكوا قلوب اليثربيين، إذن لأسرعوا إلى غسلها من أدرانها ليغمروها بالنور الذي عرفوا وبالهداية التي نالوا.
كانت نفوس هذا النفر من المسلمين الأوائل تتحرق شوقًا للعمل في سبيل الله، وكانت قلوبهم تتوثب حماسًا لنشر الهداية الإلهية بين الناس جميعًا.
* *
رجل الخير:
بوصول مصعب بن عمير – ﵁ – إلى يثرب بدأ العمل وجد الجد، وشهد منزل سعد بن زرارة أول اجتماع لهذه الزمرة المؤمنة التي بدأت تستعرض شخصيات يثرب لتختار من بينها من تبدأ به فتدعوه للدين الجديد.
قال قائل منهم: ألا تدعون محمد بن مسلمة؟ إنه رجل صدق وأمانة، وهو رجل يضيق بما يدور بين الأوس والخزرج من خلاف، ويكره ما ينشب بينهم من حروب، ويود لو ساد السلام والوئام بين الحيين.
قال آخر: ولا تنس أن ضيقه بهذا الخلاف راجع أيضًا
[ ٦٠ ]
الى أن أباه رجل من الأوس وأمه امرأة من الخزرج.
قال مصعب: دلوني على هذا الرجل لأدعوه لدين الحق لعل الله يكرمه فيهديه إلى الاسلام.
قال رجل من الحاضرين: لقد مر بنا الرجل قبل قليل وحيانا بابتسامة مشرقة.
قال مصعب: لقد مر بنا رجال كثيرون، وكلهم كان يحيينا بابتسام، فإنكم معشر الأوس والخزرج قوم بيض القلوب تكرهون الشر وتميلون إلى الخير لولا ما تلقون من كيد يهود ودسائسهم؛ فأي أولئك الرجال محمد بن مسلمة؟
قال الرجل: إنه ذلك الرجل الأسود الطويل، ذو الهامة العظيمة والرأس الأصلع.
قال مصعب: وكم تقدر عمره؟
قال الرجل: إنه في بداية العقد الرابع.
- وبماذا يكنى؟
- يكنى بأبي عبد الرحمن. ولكن لماذا كل هذه الأسئلة يا مصعب؟
- سوف أقابل هذا الرجل لأدعوه لدين الله، ومما يقرب الرجل من الداعية أن يكون الداعية عارفًا به محيطًا بأوصافه، يعرف اسمه وكنيته ولقبه حتى يدعوه بها،
[ ٦١ ]
وإن مما يقربك من النجاح في مهمتك أن تدعو الرجل بأحب الأسماء إليه.
ما أعظم هذا القلب الذي يحمله محمد بن مسلمة بين جنبيه فما أن عرض عليه مصعب الإسلام وشرح له مبادئه حتى بادر إليه وشهد شهادة الحق وانضم إلى ركب الدعوة وأعلن نفسه جنديًا من جنودها.