كانت معركة بدر حافزًا للمشركين ليكشفوا عن مشاعرهم ويخرجوا أضغانهم، فعندما وردت الأنباء بالنصر المبين لجبهة المسلمين نزلت بالمشركين النوازل، فباحوا بما في صدورهم من غل وحقد على الاسلام ونبيه واتباعه، وراحوا يسخرون من انتصار المسلمين واخذوا يهزؤون ببطولاتهم.
وكان من أكثر الناس ضيقًا بهذا النصر الإلهي في بدر قوم عمير بن عدي بنو خطمة، وكان من أشد بني خطمة ضيقًا بهذا النصر امرأة رجل منهم يقال لها عصماء بنت مروان، فقد جاهرت في العداء، ولجت
[ ١٥٣ ]
بالخصومة، وبالغت بالكيد للاسلام وأهله، وكان أخطر أسلحتها هذه الأشعار التي تنظمها في ذم المسلمين والتحريض عليهم، وكان الشعر في ذلك العهد من اخطر الأسلحة التي يشهرها الناس في وجوه خصومهم، وكانت هذه المرأة تنفث اشعارها فتثير الناس على المسلمين، وكان مما قالته في رسول الله – ﷺ –:
أطلعتم أتاوي من غيركم فلا من كراد ولا ملحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس كما يرتجى مرق المنضج
ألا أنف يبتغي غرة فيقطع من امل المُرْتجى
ولما سمع عمير بن عدي هذا الشعر الذي تعرض فيه عصماء برسول الله وتحرض على قتله، أثاره أن يكون هذا التعريض وذلك التحريض من قومه، فقرر بينه وبين نفسه أن يخلص المسلمين من مشركة بني خطمة، وقال لنفسه: لئن رد الله ورسوله سالمًا من بدر لاقتلنها.
وعندما عاد رسول الله – ﷺ – من بدر، وسمع شعر عصماء، خشي مغبته على المسلمين، فالتفت الى اصحابه وقال لهم: ألا آخذ لي من ابنة مروان؟
وزادت كلمات رسول الله عزم عدي على قتلها، وصمم على المبادرة بذلك حتى لا يزداد اذاها للمسلمين، وحتى لا تنتشر اشعارها فتقوي من عزم المشركين. . .
[ ١٥٤ ]
عمير يقتل عصماء:
كان عمير كفيف البصر. . . ولكنه كان نافذ البصيرة، رتب أموره جيدًا، فأتى بيت عصماء وقد هجع قومها وناموا، فدنا من البيت فاذا هي نائمة في الفناء وحولها بنوها، وكانوا ذوي عدد، فتحسسهم حتى عرفها من بينهم، فأغمد فيها سيفه حتى أنفذه من ظهرها، وخرج مسرعًا قبل أن يتنبه إليه بنوها فيلحقوا به. . .
وأفاق ابناء عصماء فوجدوا أمهم سابحة في دمائها، فاضطربوا لهذا الذي رأوه، وساد البيت الهرج والمرج، ووصل الخبر إلى كل بيت من بيوت خطمة، فاجتمعوا حول بيتها، وكلهم يسأل: من قتل عصماء؟ وتسابق الجميع في اطلاق التهديد والوعيد، وتمنوا لو عرفوا قاتلها حتى يثأروا منه ويلحقوه بها.