ورقت أم الوليد لابنها، وما راقها أن يحبس أخوتها فلذة كبدها، فانسلت اليه في محبسه فحلّت وثاقه واطلقته، واخذت تحثه على اللحاق برسول الله والمسلمين وتقول:
هاجر وليد وبع المساقة
واشتر منها جملًا أو ناقة
وارمِ بنفسٍ عنهم مشتاقة
وانطلق الوليد عائدًا إلى المدينة المنورة، وانضم إلى الفئة المؤمنة فيها، مشاركًا في جهادها لاعلاء كلمة الله في الأرض.
الوليد يشكو للرسول من مرض به:
كان الوليد يفزع في منامه، وربما كان ذلك مما لاقاه في أسر أخواله، فجاء إلى رسول الله – ﷺ – وقال له: يا رسول الله، اني أجد وحشة في منامي.
فقال له رسول الله – ﷺ –: إذا اضطجعت للنوم فقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون. . . فإنه لا يضرك.
[ ١٤٤ ]
الوليد في عمل فدائي:
التفت رسول الله – ﷺ – إلى الوليد بن الوليد وسأله عن عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، فقال الوليد: تركتهما في ضيق وشدة وعنت، وهما في وثاق؛ رجل احدهما مع رجل صاحبه.
فأهم لك رسول الله – ﷺ – وقال لمن حوله: من لي بعياش وسلمة؟
قال – ﵇ – انا لك بهما يا رسول الله.
قال – ﵇ –: انطلق حتى تنزل بمكة على القين (١)، فإنه قد أسلم، فتغيب عنده واطلب الوصول إلى عياش وسلمة. . .
وانطلق الوليد مستخفيا، فدخل مكة، ونزل عند القين، وأخذ يتحسس أخبار الأسيرين ليعرف موضع حبسهما. وخرج ذات ليلة فالتقى امرأة تحمل طعامًا، فقال لها: أين تريدين يا امة الله؟
قالت: اريد هذين المحبوسين.
فعرف الوليد أنها تعني صاحبيه، فانطلق خلفها وهي لا تشعر به، وما هو إلا أن رآها تدخل بيتًا فأدرك أنه المكان الذي فيه الأسيرين.
نظر الوليد إلى محبس صاحبيه فرآه لا سقف له يقيهما حر الصيف أو برد الشتاء، فأدرك مدى الشدة التي وقعا فيها والمحنة التي يعانيان منها، فقرر أن يسرع في انقاذهما حتى يخلصهما مما هم فيه من بلاء وشدة.
انقلب الوليد مسرعًا إلى حيث مخبأه في بيت القين، فقد حرص أن لا ترتاب به المرأة التي أوصلت الطعام إلى المحبوسين، وانتظر حتى تيقّن من انصرافها، ثم استبرأ الطريق المؤدي إلى محبس الأسيرين، ثم
_________________
(١) القين: الحداد، ويبدو أن حدادًا كان بمكة، ليس بها حداد غيره.
[ ١٤٥ ]
انسل حتى أتى هذا البيت الذي لا سقف له، فتسوّره، ثم قفز إلى حيث الأسيرين، فوجدهما يرسفان في قيد من حديد، فأخذ مروة (حجرًا صلدًا) فوضعه تحت القيد، ثم اهوى على القيد بسيفه فقطعه. . . ومنذ ذلك الحين سمي سيفه بذي المروة.
وما ان تحرر الأسيران من قيدهما حتى نهضا وعانقا اخاهما، ثم هرع الثلاثة الى الباب فحطموه، وانطلقوا جميعًا يسلكون طريقًا غير مطروق يضللون به أهل مكة. . .
ونذر أهل مكة بالنبأ، فقد صاح فيهم صائح ممن كانوا يترددون على الاسيرين للتشفي والاستهزاء بهما: يا أهل مكة ادركوا سلمة وعياشًا فقد فرا من محبسهما. . .
وما أسرع ما انطلق خالد بجماعة من فرسان مكة في محاولة لرد الأسيرين، ولكنه لم يدركهما، فانكفأ بمن معه الى مكة، وقد ارتسمت على وجوههم علامات الفشل والخيبة. . .
ولما علمت أم سلمة بفرار ابنها وبالمحاولة التي حاولها أهل مكة لرده، قالت تدعو له بالنجاة:
لأهم رب الكعبة المسلمة
أظهر على كل عدو سلمة
له يدان في الأمور المبهمة
كف بها يعطي وكف منعمة
ونجى الله عياشًا وسلمة والوليد، فانطلقوا يجدون في السير، يحدوهم شوق غامر للقاء الرسول وصحبه، وكلما اقتربوا من المدينة زاد شوقهم وسرورهم، فاشتدوا في السير، وبالغوا فيه، وودوا لو أنهم
[ ١٤٦ ]
استطاعوا أن يركبوا الريح أو أن تكون لهم اجنحة يطيرون بها الى الأحبة محمد وصحبه.
وعثر الوليد في سيره فدميت اصبعه، فلم يبال بما أصابها، وقال:
ما انت الا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
ووصل ركب الثلاثة إلى المدينة، ودخلوا مسجد الرسول – ﷺ – وكان لقاء.
الوليد وإسلام أخيه خالد:
عندما اعتمر رسول الله – ﷺ – عمرة القضية ضاقت نفس خالد، فخرج من مكة حتى لا يرى مواكب المسلمين وهي تطوف حول الكعبة، وحتى لا يسمعها وهي ترفع أصواتها بالتهليل والتكبير.
وعندما اجتمعت قوافل الإسلام حول الكعبة التفت رسول الله – ﷺ – الى الوليد بن الوليد أخي خالد وقال له: أين خالد؟
قال الوليد: يأتي به الله يا رسول الله.
قال – ﵇ –: ما مثل خالد من جُهّل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجدّه مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له، ولقدمناه على غيره.
وأسرع الوليد فكتب بما قاله رسول الله – ﷺ – إلى أخيه خالد، ورغّبه في الإسلام، ودعاه لمقابلة الرسول والاستماع إليه، فكان ذلك أول دخول الإسلام إلى قلب البطل المخزومي، وسرعان ما حزم امره وشد رحاله إلى مدينة الرسول وانضم إلى موكب النور الإلهي. .
[ ١٤٧ ]
مرض الوليد وموته:
ومرض الوليد بن الوليد بن المغيرة مرضًا شديدًا، وأحس بدبيب الموت يسري في جسده، وعاده رسول الله – ﷺ – فقال له الوليد: يا رسول الله، حُسِرت، وأنا ميت، فكفني في فضل ثوبك واجعله مما يلي جلدك. .
ومات الوليد من ليلته، وكفنه رسول الله – ﷺ – في قميصه.
ودخل رسول الله على أم المؤمنين أم سلمة، وهي ابنة عم الوليد، فنعاه إليها.
قالت أم سلمة – ﵂ –: جزعت حين مات الوليد بن الوليد جزعًا لم أجزعه على ميت، فقلت: لأبكين عليه بكاء تحدث به نساء الأوس والخزرج، وقلت: غريب توفي في بلاد غربة، فاستأذنت رسول الله – ﷺ – فأذن لي بالبكاء، فأنشأت أقول:
يا عين فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرة
قد كان غيثًا في السنين، ورحمه فينا منيرة
ضخم الدسيعة ماجدًا، يسمو إلى طلب الوتيرة
مثل الوليد بن الوليد ابي الوليد كفى العشيرة
فلما سمعها رسول الله – ﵇ – قال لها: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد.
وتجمعت نساء الأنصار في بيت أم سلمة، وأخذن في البكاء على الوليد، ولما ارتفعت أصواتهن ووصلت الى مسامع الرسول – ﷺ – قال لمن حوله من الصحابة: ما اتخذوا الوليد الا حنانا.
﵁ الوليد بن الوليد بن المغيرة ومن دخل الإسلام من ذويه بني مخزوم. . .
"
[ ١٤٨ ]
إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي "
حديث شريف
[ ١٤٩ ]