لم يغمض لعمير جفن بعد تنفيذه لعمليته الفدائية، فقد قتل امرأة عزيزة الجانب يحيط بها عدد من الأبناء الشجعان، كما يغضب لها قومها من بني خطمة وهم ذوو عَدَد وعُدة وذوو شجاعة ونجدة، وبقي ساهرا حتى ارتفع صوت بلال بالنداء للصلاة، فخف إلى مسجد الرسول ليبلغه ويبشره بالخلاص من مشركة بني خطمة التي كانت تؤلب على الاسلام ونبيه.
وأدى عمير صلاة الصبح خلف سيد المرسلين، وعندما سلم الرسول من الصلاة، التفت إلى عمير وفاجأه بقوله: اقتلت ابنة مروان؟
قال عمير: نعم يا رسول الله.
قال – ﵇ –: نصرت الله ورسوله يا عمير.
[ ١٥٥ ]
لا ينتطح فيها عنزان (١)
اطمأن عمير على رضا رسول الله لما فعل، وأحب أن يعرف صدى ونتائج قتل هذه المرأة الضالة، فالتفت إلى رسول الله – ﷺ – وقال: هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟
فقال رسول الله – ﷺ -: لا ينتطح فيها عنزان.
كان عمير يظن أن عصماء هذه ذات منعة وقوة في بنيها وقومها، وانهم لا بد ثائرون بقاتلها، ولم يكن يتصور أن قلوبهم هواء، وأنهم سوف يجبنون هذا الجين الذي يخزي ويذل، ولكنه الاسلام الذي ينزل الرعب بأفئدة من عاداه وينزل السكينة على قلوب من والاه، وادرك عمير أن امر عصماء بنت مروان تافه، ولن يكون له عواقب، فقد كان تعبير رسول الله – ﷺ – عن ذلك من جوامع الكلم التي اختص بها – ﵇ –. . . نعم لا ينتطح في أمر هذه المرأة المشركة عنزان!
البصير. . ناصر الرسول
تحلق المهاجرون والأنصار حول عمير بن عدي وكلهم يسأله: كيف قتلت عدوة الله؟ وعمير يشرح لهم كيف تمكن منها حتى خلص المسلمين من شرها.
والتفت رسول الله – ﷺ – إلى أصحابه وقال لهم: اذا أحببتم أن تنظروا الى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي.
وعندئذ شاع في الحاضرين جو من البهجة والسرور، فقد غدا أخوهم ناصر الله وناصر رسوله، وهذا شرف يتمنى كل منهم لو سمع رسول الله يصفه به، بل ان كثيرا من الصحابة تمنى لو تتاح له فرصة
_________________
(١) لا ينتطح فيها عنزان: أي أن شأن قتلها هين لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف.
[ ١٥٦ ]
كالتي أتيحت لعمير حتى يكتسب شرفًا كهذا الذي فاز به عمير، وحتى يحصل على وسام من هذه الاوسمة التي يزين بها ابطال الاسلام تاريخهم ويخلدون بها اسماءهم. . ان اوسمة الرسول هي تلك الألقاب التي يطلقها على اصحابه كلما امتاز أحدهم بعمل يؤهله لها.
وحاز عمير على اعجاب الصحابة مهاجريهم وانصارهم، وكان من أشد الصحابة اعجابا بعمير وعمله عمر بن الخطاب – ﵁ – فقال لمن حوله: انظروا الى هذا الأعمى الذي تشرى في طاعة الله تعالى.
فنظر الرسول – ﷺ إلى عمر وقال له: لا تقل الأعمى. . ولكنه البصير.
فكيدوني جميعًا
ملأ قلب عمير شعور بالأمان، ألم يقل له رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى: لا ينتطح فيها عنزان؟ لذا فقد خرج من مسجد رسول الله وتوجه إلى منازل بني خطمة حيث يتجمع الخطميون للتشاور في أمر ابنة مروان، انهم يعلمون أن قاتلها منهم، فما كان لرجل من غيرهم أن يدخل عليهم ليلا دون أن يحس به أحد، اذن فالقاتل لا بد أن يكون واحدا من اثنين، عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت، فهما اللذان خالفا بني خطمة ودخلا في دين محمد. . .
وعندما طلع عليهم عمير بن عدي نظروا اليه بعيون الريبة وقالوا له: أنت قتلتها يا عمير؟
والتفت اليهم عمير باستخفاف وقال لهم بعزة وتحد: نعم أنا قتلتها، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون. وبُهت الذين كفروا، وداخلهم الرعب، فلم ينبسوا ببنت ششفة.
[ ١٥٧ ]
عندئذ قال لهم عمير: يا بني خطمة، والذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو اقتلكم.
وران الصمت على المكان. . ولم يجرؤ أحد أن يرد على عمير قوله. . .
وانصرف عمير الى اخوانه من المسلمين، أما بنو خطمة فقد انصرفوا إلى قتيلتهم فحملوها الى حيث أهالوا عليها التراب.
شاعر الرسول يمدح عميرًا
وطار حديث عمير وبطولته في الآفاق، وأصبح قتله لعدوة الإسلام حديث المجالس في يثرب، وغدا موقف بنيها وقومها مثار السخرية والهزء، وكان لحديث عمير مع عصماء في شعر حسان نصيب، فقال يتندر بأعداء الله ويمدح عميرًا (١):
بنو وائل وبنو واقف وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت أختكم ويحها بصولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدًا عرقه كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما قبيل الصباح ولم يحرج (٢)
فأوردك الله برد الجنان جذلان في نعمة المولج