أسلم عياش بن أبي ربيعة المخزومي قبل دخول رسول الله – ﷺ – دار الأرقم، فهو من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة مع زوجته، وفي الحبشة ولد له ولد أسماه عبد الله، ثم عاد من الحبشة مع من عاد منها من المسلمين المهاجرين،
وأخذت وطأة قريش تزداد شدة وعنفًا على المسلمين، وقررت كل قبيلة أن تتكفل بمن آمن منها، فتكيل له العذاب، ولا ترفعه عنه حتى يرتد عن دينه.
وجاء نفر من بني مخزوم الى هشام بن الوليد يستأذنونه في تعذيب ابن عمه عياش بن أبي ربيعة. . .
قالوا له: إنا قد أردنا أن نعاقب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي احدثوا، وإنا نستأذنك في عياش، قال هشام: هذا عياش فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسه، وقال:
ألا لا يقتلن أخي عُيَيْش فيبقى بيننا أبدا تلاحي
احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلًا. . .
فعاد القوم من حيث أتوا، وقال بعضهم لبعض: اللهم العنه، فمن يغرر بهذا الخبيث، فوالله لو أصيب عياش في أيدينا لقتل أشرفنا رجلًا!
[ ١٣٩ ]
وانصرفوا عن عياش فلم يؤذوه.
عياش يهاجر مع عمر بن الخطاب:
عندما أذن رسول الله – ﷺ – للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، اتّعد عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي أن يخرجوا من مكة فرادى وأن يلتقوا عند مكان في ظاهر مكة يقال له " التناصب " وقالوا: أيُّنا لم يصبح عندا فقد حُبس، فليمض صاحباه.
فأصبح عند التناصب عمر وعياش، وحبس هشام، فمضيا حتى قدما المدينة ونزلا في بني عمرو بن عوف بقباء.
أبو جهل يردّ عياشًا:
وخرج أبو جهل واخوه الحارث بن هشام حتى أتيا قباء، وقالا لعياش – وكان ابن عمهما واخاهما لامهما -: إن أمك قد نذرت ان لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تعود.
ورق لها عياش، وعزم على العودة معهما. . . فلما علم عمر بذلك أتاه مسرعًا وقال له: يا عياش، انه والله ان يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت.
قال عياش، أبرّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.
قال له عمر: والله انك لتعلم اني لمن اكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
فأبى عياش إلا أن يخرج معهما. . .
فلما أبى إلا الخروج قال له عمر: أما إذا فعلت ما فعلت، فخذ
[ ١٤٠ ]
ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
وخرج عياش راكبًا ناقة عمر، وخرج معه أبو جهل والحارث بن هشام وقد بيتا له أمرا. . .
وعندما ابتعدوا عن المدينة التفت أبو جهل إلى عياش وقال له: يا ابن أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال عياش: بلى. . . واناخها ليتحول عنها لأبي جهل، فلما استوى على الأرض عدا عليه الرجلان فأوثقاه وربطاه. . . وساقا به إلى مكة على هذه الحال.
وعندما دخل أيو جهل وأخوه الحارث مكة يسوقان بعياش موثقا، وأهل مكة من حولهم معجبون بفعلهم، قال لهم أبو جهل: يا أهل مكة؛ هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا!
أبو جهل يحبس عياشًا:
لم يستطع أبو جهل أن يعذب عياشًا لمقامه من هشام بن الوليد، فحبسه في السجن الذي حبس به سلمة بن هشام المخزومي من قبل.
وكان سلمة بن هشام – ﵁ – ممن أسلم مبكرا وممن هاجر إلى الحبشة، فلما عاد منها فيمن عاد من المسلمين عدا عليه أبو جهل – لعنه الله – وضربه وعذبه وحبسه ومنع عنه الطعام والشراب في محاولة لرده عن دينه، ولكن سلمة ثبت، فلما يئس منه أبو جهل حبسه في بيت من بيوت مكة وجعل عليه عينًا لا تفارقه. . .
[ ١٤١ ]
رسول الله يدعو للحبيسين:
وتناقل الناس خبر الحبيسين وما يلقيانه من عنت في محبسهما وما يبديانه من جلد وصبر وثبات على الإيمان عظيم، فكان رسول الله – ﷺ – يدعو لهما في صلاة الصبح ويقول: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، اللهم انج المستضعفين من المؤمنين. . .
ولما طال حبسهما أخذ رسول الله – ﷺ – يدعو لهما كلما فرغ من صلواته ويقول: اللهم انج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وضعفه المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. .
الوليد بن الوليد بن المغيرة يقع في أسر المسلمين:
ونشبت معركة بدر، ودارت الدائرة على أنصار الأصنام،. فانفرط عقدهم، وفروا في فوضى واضطراب، فلحق بهم المسلمون يقتلون فريقًا ويأسرون فريقًا، وكان ممن وقع في أيدي المسلمين أسيرًا الوليد بن المغيرة المخزومي، فقد أسره عبد الله بن جحش – ﵁ –.
وعندما رأت قريش أن تفادي أسراها قدم إلى المدينة خالد بن الوليد وهشام بن الوليد يسعيان في فداء أخيهما الوليد وأخذ خالد وهشام في مساومة عبد الله بن جحش في فداء الوليد، فأبى عبد الله بن جحش إلا أربعة آلاف درهم وشكّة (١) أبيهم الوليد بن المغيرة.
وتأبى خالد أن يطوع بهذا الفداء. . . وكان الوليد بن الوليد أخاه لأبيه. .
_________________
(١) شكة الوليد بن المغير هي عدته الحربية، وكانت درعًا فضفاضة وسيفًا وبيضة (البيضة: غطاء الرأس في الحرب) .
[ ١٤٢ ]
وطاع به هشام بن الوليد. . . وكان الوليد أخاه لأبيه وأمه. . .
وتلاحى خالد وهشام. . . فقال هشام لخالد: إنه ليس بابن أمك، والله لو أبى فيه إلا أضعاف ذلك لقبلت
عند ذلك سكت خالد سكوت المغلوب على أمره، ودفعت الدية الى عبد الله بن جحش. . .
إسلام الوليد بن الوليد:
وخرج هشام وخالد بأخيهما الوليد قاصدين مكة، ولما وصلا ذا الحليفة أفلت منهما وأتى رسول الله – ﷺ – وشهد بالشهادتين.
وتبعه أخواه فما أدركاه إلا وهو يعلن إسلامه أمام رسول الله – ﵇ –، فقال له خالد معاتبًا: هلا كان هذا قبل أن تفتدى وتخرج مأثرة أبينا من أيدينا فاتبعت محمدًا اذ كان هذا رأيك؟
قال الوليد: ما كنت لاسلم حتى أفتدى بمثل ما افتدي به قومي، وحتى لا تقول قريش انما اتبع محمدًا فرارًا من الفدى. وأمن الوليد من اذى اخويه عندما رأى ما رأى من لينهما معه، فعاد معهما إلى مكة اذ كان له هناك مال رجا أن يبيعه ثم يكر عائدًا إلى المدينة.
اخوال الوليد يحبسونه.
وعندما وصل الوليد إلى مكة وسمع اخواله بإسلامه عدوا عليه فقيدوه وحبسوه، ويبدو ان ذلك كان عن رضًا من أخويه هشام وخالد، وإلا فما كان لاخواله ان يفعلوا به ذلك واخواه يأبيانه، فما كان لأحد أن يفتات عليهما وهما من هما عزة ومنعة وسيادة.
[ ١٤٣ ]
الرسول يدعو للوليد:
وعندما علم رسول الله – ﷺ – بحبس الوليد قرنه في الدعاء مع الأسيرين قبله، سلمة وعياش، فكان يقول في صلاة الفجر من كل يوم: اللهم انج الوليد
بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف.