ولما كان ﷺ هو الأسوة والقدوة، فقد سار على دربه الأفاضل، فعن على ﵁ أنه قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطًا، وترابها فراشًا، وماءها طيبًا، والكتاب شعارًا، والدعاء دثارًا، ورفضوا الدنيا رفضًا.
[*] وكتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله لرغبتك فيما عنده، وأحبك الناس لتركك لهم دنياهم، والسلام.
[*] وقال أبو الدرداء حين تولى القضاء في الشام:
في خلافة عثمان، أصبح أبو الدرداء واليا للقضاء في الشام، فخطب بالناس يوما وقال: يا أهل الشام، أنتم الإخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء، ولكن مالي أراكم لا تستحيون؟؟
[ ١ / ١٤٣ ]
تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وترجون مالا تبلغون، قد كانت القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويؤملون فيطيلون، ويبنون فيوثقون، فأصبح جمعهم بورا، وأملهم غرورا، وبيوتهم قبورا أولئك قوم عاد، ملئوا ما بين عدن إلى عمان أموالا وأولادا.
ثم ابتسم بسخرية لافحة: من يشتري مني تركة أل عاد بدرهمين؟!
[*] وعن عروة بن الزبير أن أم المؤمنين عائشة جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحمًا بدرهم؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت.
[*] قال ابن مسعود ﵁: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا علم له.
وقال أيضًا: ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدًا سرمدًا.
وقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصومًا وجهادًا من أصحاب محمد، وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: كيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في
الدنيا وأرغب منكم في الآخرة.
[*] وقال عمر ﵁: الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد.
ولما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه، فقال: (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره) ودخل رجل على أبي ذر ﵁ فجعل يقلب بصره في بيته، فقال يا أبا ذر: ما أرى في بيتك متاعًا، ولا أثاثًا، فقال: إن لنا بيتًا نوجه إليه صالح متاعنا وقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
[*] وقال على ﵁: تزوجت فاطمة ومالي ولها فراش إلا جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح (البعير) بالنهار ومالي خادم غيرها، ولقد كانت تعجن، وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها.
وقال أيضًا: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:١٩٧]
[*] وكان عمرو بن العاص - ﵁- يخطب بمصر ويقول: ما أبعد هديكم من
هدي نبيكم ﷺ، أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا وأما أنتم فأرغب الناس فيها.
[ ١ / ١٤٤ ]
[*] ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل ﵁ قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
[*] وقد ذكر الإمام أحمد أن أفضل التابعين علمًا سعيد بن المسيب، أما أفضلهم على جهة العموم والجملة فأويس القرني، وكان أويس يقول: توسدوا الموت إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم،
[*] وقال الفضيل: حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا.
[*] وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.
[*] قال مالك بن دينار: يقولون: مالك زاهد. أي زهد عند مالك، وله جبة وكساء. إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فتركها.
[*] وصية إمام الزاهدين إبراهيم بن أدهم:
قيل لسلطان الزاهدين إبراهيم بن أدهم ﴿أوصنا بما ينفعنا فقال:
* إذا رأيتم الناس مشغولين بامر الدنيا فاشتغلوا بأمر الآخرة.
* وإذا اشتغلوا بتزيين ظواهرهم فاشتغلوا بتزيين بواطنكم.
* وإذا اشتغلوا بعمارة البساتين والقصور فاشتغلوا بعمارة القبور.
* وإذا اشتغلوا بخدمة المخلوقين فاشتغلوا بخدمة رب العالمين.
* وإذا اشتغلوا بعيوب الناس فاشتغلوا بعيوب أنفسكم.
* واتخذوا من الدنيا زادا يوصلكم الى الآخرة فإنما الدنيا مزرعة الآخرة.
[*] وكان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون: لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا.
[*] وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين قام.
[*] وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال: إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني.
[*] وقال سفيان الثورى: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباءة.
وقال أيضا ً: إذا زهد العبد في الدنيا أنبت الله الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها.
وقال أيضا ً: عليك بالزهد يبصرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله عنك حسابك، ودع ما يريبك إلى مالا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك.
وقال أيضا ً: لا تصلح القراءة إلا بالزهد، واغبط الأحياء بما تغبط به الأموات، أحبهم على قدر أعمالهم، وذل عند الطاعة، واستعص عند المعصية.
وقال أيضا ً: لا يكون للقراءة ملح حتى يكون معها زهد.
[ ١ / ١٤٥ ]
[*] وقال الشافعي في ذم الدنيا والتمسك بها: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وان تجتذبها نازعتك كلابها.
[*] وكان أبو سليمان الداراني يقول: كل ما شغلك عن الله، من أهل ومال وولد فهو مشئوم طويت الدنيا عمن هم أفضل منا.
ويكفي أن في الزهد التأسي برسول الله صلي اله عليه وسلم وصحابته الكرام، كما أن فيه تمام التوكل على الله، وهو يغرس في القلب القناعة، إنه راحة في الدنيا وسعادة في الآخرة.
[*] وقال عبد الله بن عون: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم.
[*] قال الحسن البصري ﵀: " أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا إذا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها إذا أدبر، وكانت في أعينهم أهون من التراب "
[*] وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقيل له: لو أصلحته. فقال: كم من رجل قد مات، وهو قائم على حاله.
[*] وكان الحسن البصري إذا ذكر له صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها. لقد أخرج منها في خرق.
[*] وقال الحسن ﵀: والله لقد أدركت سبعين بدريًا أكثر لباسهم الصوف. [*] قال إبراهيم التيمي: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فاتّبعتموها.
[*] وقال بلال بن سعد: كفى به ذنبًا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها.
والزاهد يحبه الله ويحبه الناس فإن امتلكت فاشكر، وأخرج الدنيا من قلبك، وان افتقرت فاصبر فقد طويت عمن هم أفضل منك، فقد كان نبيك صلي الله عليه وسلم ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، ومات وفي رف أم المؤمنين عائشة حفنة من الشعير تأكل منها، وكنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلي الله عليه وسلم نلت السقف، وخطب عمر بن الخطاب وهو خليفة المؤمنين وعليه إزار به اثنتا عشرة رقعة لقد طويت الدنيا عنهم ولم يكن ذلك لهوانهم على الله، بل لهوان الدنيا عليه سبحانه. فهي لا تزن عنده جناح بعوضه، وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
فلا تأس ولا تجزع على ما فاتك منها، ولا تفرح بما أتاك؛ فالمؤمن لا يجزع من ذلها ولا يتنافس في عزها له شأن وللناس شان، وكن عبدًا لله في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وسواء أقبلت عليك الدنيا أو أدبرت فإقبالها إحجام، وإدبارها إقدام، والأصل أن تلقاك بكل ما تكره فإذا لاقتك بما تحب فهو استثناء.
[ ١ / ١٤٦ ]
وفصل الخطاب في فضائل الزهد: هو ما قاله الفضيل ابن عياض: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من كل الدنيا، وقيل للفضيل: ما الزهد في الدنيا؟ قال: القنع وهو الغنى، وقيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم. وسئل ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض. وسئل عن التواضع قال: أن تخضع للحق، وقال: أشد الورع في اللسان، وقال: التعبير كله باللسان لا بالعمل. وقال: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وقال: قال الله ﷿: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.