[ ١ / ١٦٦ ]
لا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه ولكن له طول وعرض، فلا بد من قبض طوله وعرضه حتى يتم به الزهد؛ فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر، فإن من يملك طعام يومه فلا يقنع به، وأما عرضه ففي مقدار الطعام وجنسه ووقت تناوله؛ أما طوله فلا يقصر إلا بقصر الأمل، وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع عند شدة الجوع وخوف المرض، ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه، وهذه هي الدرجة العليا. الدرجة الثانية: أن يدخر لشهر أو أربعين يومًا. الدرجة الثالثة: أن يدخر لسنة فقط، وهذه رتبة ضعفاء الزهاد، ومن ادخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهدًا محال؛ لأن من أمل بقاء أكثر من سنة فهو طويل الأمل جدًا فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدي الناس، كداود الطائي فإنه ورث عشرين دينارًا فأمسكها وأنفقها في عشرين سنة، فهذا لا يضاد أصل الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد، وأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار، وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطل، وأوسطه رطل، وأعلاه مد واحد، وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المسكين في الكفارة، وما وراء ذلك فهو من اتساع البطن والاشتغال به، ومن لم يقدر على الاقتصار على مد لم يكن له من الزهد في البطن نصيب، وأما بالإضافة إلى الجنس فأقله كل ما يقوت، ولو الخبز من النخالة، وأوسطه خبز الشعير والذرة، وأعلاه خبز البر غير منخول، فإذا ميز من النخالة وصار حواري فقد دخل في التنعم وخرج عن آخر أبواب الزهد فضلًا عن أوائله. وأما الأدم: فأقله الملح أو البقل والخل، وأوسطه الزيت أو يسير من الأدهان أي دهن كان، وأعلاه اللحم أي لحم كان، وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين، فإن صار دائمًا أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج عن آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهدًا في البطن أصلًا، وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرة وهو أن يكون صائمًا، وأوسطه أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل، ويأكل ليلة ولا يشرب، وأعلاه أن ينتهي إلى أن يطوي ثلاثة أيام أو أسبوعًا وما زاد عليه، ولينظر إلى أحوال رسول الله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم.
فقد كان النبي - ﷺ - يمر على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيتهم النار، طعامهم الأسودان: التمر والماء
[ ١ / ١٦٧ ]
(حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: يا خالة، ما كان يُعَيِّشُكُم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا.
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين: المراد بالهلال الثالث هلال الشهر الثالث وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث.
وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار: لا يوقد في شيء من بيوته نار لا لخبز ولا لطبخ.
ما كان يُعَيِّشُكُم؟ بضم أوله يقال أعاشه الله أي أعطاه العيش.
الأسودان التمر والماء: قال الصغاني الاسودان يطلق على التمر والماء والسواد للتمر دون الماء فنعتا بنعت واحد تغليبا وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما.
منائح: جمع منيحة بنون وحاء مهملة
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: ما أكل النبي ﷺ خبزًا مرققًا، ولا شاة مسموطة حتى لقي الله.
[*] قال الحافظ بن حجر في الفتح:
ما أكل النبي ﷺ خبزًا مرققًا: وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة.
ولا شاة مسموطة: المسموط الذي ازيل شعره بالماء المسخن وشوى بجلده أو يطبخ وإنما يصنع ذلك في الصغير السن الطري وهو من فعل المترفين من وجهين أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: ما علمت النبي ﷺ أكل على سُكُرُّجَةٍ قطُّ، ولا خُبِزَ له مرقَّق قطُّ، ولا أكل على خِوَان قطُّ. قيل لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر.
[*] قال صاحب تحفة الأحوذي:
(سُكُرُّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْكَلُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنَ الْأُدْمِ وَهِيَ فَارِسِيَّةٌ، وَأَكْثَرُ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْكَوَامِخُ وَنَحْوُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
[ ١ / ١٦٨ ]
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَرْكُهُ الْأَكْلَ فِي السُّكُرُّجَةِ إِمَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تَكُنْ تُصْنَعُ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ أَوِ اسْتِصْغَارًا لَهَا؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُعَدُّ لِوَضْعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى الْهَضْمِ وَلَمْ يَكُونُوا غَالِبًا يَشْبَعُونَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ بِالْهَضْمِ انْتَهَى.
(عَلَى خِوَانٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُضَمُّ أَيْ مَائِدَةٍ.
وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - ﷺ - كان يربط الحجر على بطنه من الغرث.
الغرث: الجوع
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.
قوتًا: أي شيءٌ يسدُ الرمق.
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
قوتًا: أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم الى ذل المسألة ولا يكون فيه فضول تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا وفيه حجة لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال.
(حديث عبد الله بن عمر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: (قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنَّعه الله بما آتاه.
[*] قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
ورُزق كفافًا: الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقص، وفيه فضيلة هذه الأوصاف:
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا) أي ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يلحقه بأهل الترفهات. قال القاضي: الفلاح الفوز بالبغية
[ ١ / ١٦٩ ]
(وقنعه اللّه بما آتاه) بمد الهمزة أي جعله قانعًا بما أعطاه إياه ولم يطلب الزياد لمعرفته أن رزقه مقسوم لن يعدو ما قدر له والفلاح الفوز بالبغية في الدارين والحديث قد جمع بينهما والمراد بالرزق الحلال منه فإن المصطفى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم مدح المرزوق وأثبت له الفلاح وذكر الأمرين وقيد الثاني بقنع أي رزق كفافًا وقنعه اللّه بالكفاف فلم يطلب الزيادة وأطلق الأوّل ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام ذكره الطيبي وصاحب هذه الحالة معدود من الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا بل يجاهد نفسه في الصبر على القدر الزائد على الكفاف فلم يفته من حال الفقراء إلا السلامة من قهر الرجال وذل المسألة.
(حديث عبيد الله بن محصن الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: (من أصبح منكم آمنًا في سربه معافى في جسده عنده قوتُ يومه فكأنما حيزت له الدنيا.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من أصبح منكم آمنا في سربه) بكسر السين على الأشهر أي في نفسه وروي بفتحها أي في مسلكه وقيل بفتحتين أي في بيته
(معافى في جسده) أي صحيحًا بدنه
(عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك، يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع اللّه له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره
(فكأنما حيزت) بكسر المهملة
(له الدنيا) أي ضمت وجمعت
(بحذافيرها) أي بجوانبها أي فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، ومن ثم قال نفطويه: إذا ما كساك الدهر ثوب مصحة * ولم يخل من قوت يحلى ويعذب فلا تغبطن المترفين فإنه * على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب وقال: إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن * وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى.
[*] قال يحيى بن معاذ الرازي: الزاهد الصادق قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أدرك، الدنيا سجنه، والقبر مضجعه، والخلو مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والرب أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والحياء شعاره، والجوع إدامه، والحكمة كلامه، والتراب فراشه، والتقوى زاده، والصمت غنيمته والصبر معتمده، والتوكل حسبه، والعقل دليله، والعبادة حرفته والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٧٠ ]