- انقسم بنو آدم فى الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن للعباد دارًا بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (يونس: الآية: ٧ - ٨).
وهؤلاء همهم التمتع فى الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: من الآية: ١٢).
والقسم الثانى: من يُقِرُّ بدارٍ بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
والظالم لنفسه: هم الأكثرون، وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها فى غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همّه، بها يرضى، وبها يغضب، ولها يوالى، وعليها يعادى، وهؤلاء أهل اللعب واللهو والزينة، وإن كانوا يؤمنون بالآخرة إيمانًا مجملًا فهم لم يعرفوا المقصود من الدنيا، ولا أنها منزلة يتزود فيها لما بعدها.
[ ١ / ٩٢ ]
والمقتصد: من أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجبها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به فى التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء لا عقاب عليهم فى ذلك إلا أنه ينقص درجاتهم كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لولا أن تنقص من حسناتى لخالفتكم فى لين عيشكم ولكن سمعت الله عَيَّر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ (الأحقاف: من الآية: ٢٠).
وأما السابق بالخيرات بإذن الله: فهم الذين فهموا المراد من الدنيا وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عبادة فى الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: الآية: ٧).
يعنى: أزهد فى الدنيا وأرغب فى الآخرة، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (الكهف: الآية: ٨).
فاكتفى السابقون منها بما يكفى المسافر من الزاد، كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
وعاش فيها كأنه غريب أو عابر سبيل امتثالًا لوصية النبي - ﷺ - كما في الحديث الآتي:
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
وكان زاده فيها كزاد الراكب امتثالًا لقول النبي - ﷺ - كما في الحديث الآتي:
(حديث سلمان الفارسي ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: ليكف الرجل منكم كزاد الراكب.
ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوى على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ - ﵁ -: " إنى لأحتسب نومتى كما أحتسب قومتى ".
[*] قال سعيد بن جبير: " متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكن متاع بلاغ إلى ما هو خير منه ".
[ ١ / ٩٣ ]
[*] وقال يحيى بن معاذ: " كيف لا أحب دنيا قُدر لى فيها قوت أكتسب به حياة، أدرك به طاعة، أنال بها الجنة ".
[*] وسُئل أبو صفوان الرعينى: ما هى الدنيا التى ذمها الله فى القرآن والتى ينبغى للعاقل أن يتجنبها؟، فقال: " كل ما أصبت فى الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ماأصبت منا تريد به الآخرة فليس منها ".
[*] وقال الحسن: " نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها للجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار ".
[*] قال عون بن عبد الله: " الدنيا والآخرة فى القلب ككفتى الميزان ما ترجح إحداهما تخف الأخرى ".
[*] وقال وهب:" إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان إذا أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
[*] وقال أبو الدرداء: " لئن حلفتم لى على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم ".
[*] وقال رجل للتابعين: " لأنتم أكثر عملًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولكنهم كانوا خيرًا منكم، كانوا أزهد فى الدنيا ".
[*] قول سعيد ابن المسيب في الدنيا:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.