- درجات الزهد وأقسامه:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف، فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالفرض الزهد في الحرام، والفضل الزهد في الحلال، والسلامة الزهد في الشبهات.
[*] وقال الغزالي ﵀ في الإحياء:
الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث:
- الدرجة الأولى وهي السفلى: منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها ويكفها، وهذا يسمى المتزهد، وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد، والمتزهد يذيب أولًا نفسه ثم كيسه والزاهد أولًا يذيب كيسه ثم يذيب نفسه في الطاعات لا في الصبر على ما فارقه، والمتزهد على خطر، فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير.
- الدرجة الثانية: الذي يترك الدنيا طوعًا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه، كالذي يترك درهمًا لأجل درهمين، فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل، ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه، كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبًا بنفسه وبزهده، ويظن في نفسه أنه ترك شيئًا له قدر لما هو أعظم قدرًا منه، وهذا أيضًا نقصان.
[ ١ / ١٢٦ ]
- الدرجة الثالثة وهي العليا: أن يزهد طوعًا ويزهد في زهده فلا يرى زهده، إذ لا يرى أنه ترك شيئًا، لأنه عرف أن الدنيا لا شيء فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة، فلا يرى ذلك معاوضة، ولا يرى نفسه تاركًا شيئًا والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى نعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد. وسببه كمال المعرفة، ومثل هذا الزهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا، كما أن تارك الخزفة بالجوهرة أمن من طلب الإقالة في البيع.
فهذا تفاوت درجات الزهد، وكل درجة من هذه أيضًا لها درجات، إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضًا باختلاف قدر المشقة في الصبر، وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده.
وأما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه أيضًا على ثلاث درجات:
- الدرجة السفلى: أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر، ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدي العبد من الأهوال.
- الدرجة الثانية: أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذات الموعودة في جنته من الحور والقصور وغيرها، وهذا زهد الراجين، فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له.
[ ١ / ١٢٧ ]
- الدرجة الثالثة وهي العليا: أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها، بل هو مستغرق الهم بالله تعالى؛ وهو الذي أصبح وهمومه هم واحد؛ وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى؛ لأن من طلب غير الله فقد عبده، وكل مطلوب معبود، وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه، وطلب غير الله من الشرك الخفي، وهذا زهد المحبين وهم العارفون لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه، وكما أن من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحب إلا الدينار، فكذلك من عرف الله وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أن الجمع بين تلك اللذة وبين لذة التنعم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن، فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره، ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم أهل الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به، والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك، وذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق. أهـ
[*] قال الإمام أحمد ﵀: الزهد على ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام. وهو زهد العوام. والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.