وللزهد فيه أيضًا ثلاث درجات: أعلاها أن لا يطلب موضعًا خاصًا لنفسه فيقنع بزاويا المساجد كأصحاب الصفة. وأوسطها: أن لا يطلب موضعًا خاصًا لنفسه مثل كوخ مبني من سعف أو خص أو ما يشبهه، وأدناها أن يطلب حجرة مبنية إما بشراء أو إجارة؛ فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم يكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد؛ فإن طلب التشييد والتجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرع فقد جاوز بالكلية حد للزهد في المسكن، فاختلاف جنس البناء بأن يكون من الجص أو القصب أو بالطين أو بالآجر، واختلاف قدره بالسعة والضيق، واختلاف طوله بالإضافة إلى الأوقات بأن يكون مملوكًا أو مستأجرًا أو مستعارًا، والزهد مدخل في جميع ذلك. وبالجملة كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الضرورة، وقدر الضرورة من الدنيا آلة الدين ووسيلته، وما جاوز ذلك فهو مضاد للدين والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى، وأقل الدرجات فيه معلوم، وما زاد عليه فهو الفضول والفضول كله من الدنيا وطالب الفضول والساعي له بعيد من الزهد جدًا، وتأمل في الحديث الآتي بعين الاعتبار:
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: مَرَّ علي رسول الله ﷺ وحن نعالج خصا لنا وَهَى، فقال: "" ما هذا؟ "" فقلنا: خصٌ لنا وَهَى فنحن نصلحه، فقال رسول الله ﷺ: "" ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك.
نعالج خصا لنا: الخص: بيت يعمل من الخشب والقصب.
وَهَى: بفتح الواو والهاء: أي خرب أو كاد.
ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك:
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ما أرى الأمر) يعني الموت
[ ١ / ١٧٤ ]
(إلا أعجل من ذلك) أي من أن يبني الإنسان لنفسه بناء ويشيده فوق ما لا بد منه فقد اتخذ نوح بيتًا من قصب فقيل له: لو بنيت فقال: هذا كثير لمن يموت وقيل لسليمان: ما لك لا تبني قال: ما للعبد وللبناء فإذا أعتق فله واللّه قصور لا تبلى أبدًا.
وقد قيل: أول شيء ظهر من طول الأمل بعد رسول الله ﷺ التدريز والتشييد، يعني بالتدريز: كف دروز الثياب فإنها كانت تشل شلًا والتشييد: هو البنيان بالجص والآجر، وإنما كانوا يبنون بالسعف والجريد (١).
[*] وقال الحسن: مات رسول الله ﷺ ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة (٢).
واتخذ نوحًا ﵇ بيتًا من قصب. فقيل له: لو بنيت؟ فقال: هذا كثير لمن يموت.
[*] وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيت من قصب قد مال عليه، فقيل له: لو أصلحته؟ فقال: كم من رجل قد مات وهذا قائم على حاله.
وقال النبي ﷺ: " من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة" (٣).
[*] ونظر عمر ﵁ في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر، فكبر وقال: ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون؛ يعني قول فرعون " فأوقد لي يا هامان على الطين " يعني به الآجر، ويقال: إن فرعون هو أول من بني له بالجص والآجر، وأول من عمله هامان، ثم تبعهما الجبابرة، وهذا هو الزخرف.
_________________
(١) حديث كانت الثياب تشل شلا وكانوا يبنون بالسعف والجريد أما شل الثياب من غير كف فروى الطبراني والحاكم أن عمر قطع ما فضل عن الأصابع من غير كف وقال هكذا رأيت رسول الله؟ وأما البناء ففي الصحيحين من حديث أنس في قصة بناء مسجد المدينة فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة الحديث ولهما من حديث أبي سعيد كان المسجد على عريش فوكف المسجد.
(٢) حديث الحسن مات رسول الله؟ ولم يضع لبنة على لبنة الحديث رواه ابن حبان في الثقات وأبو نعيم في الحلية هكذا مرسلا والطبراني في الأوسط من حديث عائشة من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة الحديث وإسناده ضعيف.
(٣) حديث من بنى فوق ما يكفيه كلف يوم القيامة أن يحمله رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد فيه لين وانقطاع.
[ ١ / ١٧٥ ]
[*] ورأى بعض السلف جامعًا في بعض الأمصار فقال: أدركت هذا المسجد مبنيًا من الجريد والسعف، ثم رأيته من رهص، ثم رأيته الآن مبنيًا باللبن، فكان أصحاب السعف خيرًا من أصحاب الرهص خير من أصحاب اللبن.
وكان من السلف من يبني داره مرارًا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله وزهده في إحكام البنيان، وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبه لجيرانه، فإذا رجع أعاده، وكانت بيوتهم من الحشيش والجلود وهي عادة العرب الآن ببلاد اليمن، وكان ارتفاع بناء السقف قامة وبسطة.
[*] وقال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت رسول الله ﷺ ضربت بيدي إلى السقف.
[*] وقال عمرو بن دينار: إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟.
[*] وقد نهى سفيان عن النظر إلى بناء مشيد وقال: لولا نظر الناس لما شيدوا فالنظر إليه معين عليه.
[*] وقال الفضيل: إني لم أعجب ممن بنى وترك، ولكن أعجب ممن نظر ولم يعتبر.
[*] وقال ابن مسعود ﵁: يأتي قوم يرفعون الطين ويضعون الدين ويستعملون البرازين. يصلون إلى قبلتكم ويموتون على غير دينكم.