إن للموت ألمًا لا يعلمه إلا الذي يعالجه ويذوقه، فالميت ينقطع صوته، وتضعف قوته عن الصياح لشدة الألم والكرب على القلب، فإن الموت قد هد كل جزء من أجزاء البدن، وأضعف كل جوارحه، فلم يترك له قوة للاستغاثة أما العقل فقد غشيته وسوسة، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد أضعفها، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح، ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت له قوة سمع له عند نزع الروح وجذبها خوار وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغير لونه، وأزبد، ولكل عضو من أعضائه سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى تبلغ روحه إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وتحيط به الحسرة والندامة إن كان من الخاسرين، أو الفرح والسرور إن كان من المتقين.
وقال تعالى: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق:١٩]
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال: أن رسول الله كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت سكرات" ثم نصب يديه فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده.
[ ١ / ١١٣ ]
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: ما أغبط أحدًا بهون الموت، بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة وا كرب أبتاه فقال رسول الله ﷺ لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا الموافاة يوم القيامة.
﴿تنبيه﴾: وتشديد الله تعالى على أنبيائه عند الموت رفعة في أحوالهم، وكمال لدرجاتهم، ولا يفهم من هذا أن الله تعالى شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة والمخلطين، فإن تشديده على هؤلاء عقوبة لهم ومؤاخذة على إجرامهم، فلا نسبة بينه وبين هذا.
[*] قال عمر بن الخطاب ﵁:
يا كعب حدثنا عن الموت فقال نعم يا أمير المؤمنين. هو كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل فأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى.
ويروى أن إبراهيم ﵇ لما مات:
قال اللّه ﷿ له: كيف وجدت الموت؟
قال: كسفود جعل في صوف رطب ثم جذب.
فقال الله تعالى له: أما إنا قد هونا عليك.
وعن موسى صلوات اللّه عليه:
أنه لما صارت روحه إلى اللّه ﷿ قال له:
يا موسى كيف وجدت الموت قال: وجدت نفسي كشاة حية بيد القصاب تسلخ.
[*] وكان عمرو بن العاص ﵁ يقول:
لوددت لو أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت فيخبرني عن الموت فلما أنزل به الموت قيل له يا أبا عبد اللّه كنت تقول أيام حياتك لوددت أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت يخبرني عن الموت وأنت ذلك الرجل اللبيب الحازم وقد نزل بك الموت فأخبرنا عنه.
فقال: أجد كأن السماوات انطبقن على الأرض وأنا بينهما وكأن نفسي تخرج على ثقب إبرة.