وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولًا: لمحات من سيرة أبي بكرٍ الصديق - ﵁ -:
ثانيًا: صورٌ مشرقة من زهد أبي بكر الصدَّيق - ﵁ -:
وهاك تفصيل ذلك:
أولًا: لمحات من سيرة أبي بكرٍ الصديق - ﵁ -:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي ﷺ في الحضر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الأعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولى الأيد والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) [التوبة: ٤٠] إلي غير ذلك من الآيات والآثار، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار، التي غدت كالشمس في الانتشار، وفضل كل من فاضل، وفاق كل من جادل وناضل، ونزل فيه: قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) [الحديد: ١٠]. توحد الصديق، في الأحوال بالتحقيق، واختار الاختيار من الله حين دعاه إلى الطريق، فتجرد من الأموال والأعراض، وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض، صار للمحن هدفًا، وللبلاء غرضًا، وزهد فيما عز له جوهرًا كان أو عرضًا، تفرد بالحق، عن الالتفات إلى الخلق، وقد قيل إن التصوف الاعتصام بالحقائق، عند اختلاف الطرائق.
اسم أبي بكر الصديق ونسبه وكنيته وألقابه:
[ ١ / ٢٨٢ ]
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي (١)، ويلتقي مع النبي - ﷺ - في النسب في الجد السادس مرة بن كعب (٢) ويكنى بأبي بكر، وهي من البكر وهو الفتى من الإبل، والجمع بكارة وأبكر وقد سمَّت العرب بكرًا، وهو أبو قبيلة عظيمة (٣) ولُقب أبوبكر - ﵁ -، بألقاب عديدة كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب منها:
(١) العتيق:
لقبّه به النبي - ﷺ -؛ فقد قال له - ﷺ -: (أنت عتيقُ الله من النار) فسُمِّيَ عتيقًا (٤)
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترمذي) أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ فقال أنت عتيق الله من النار فيومئذٍ سُمِّيَ عتيقا.
(٢) الصديق:
لقبه به النبي - ﷺ - كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وِصِدِّيْق، وشهيدان).
وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي - ﷺ -.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في السلسلة الصحيحة) قالت: لما أسري بالنبي - ﷺ - الى المسجد الاقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناسُ، كانوا آمنوا به وصدقوه وسعى رجال الى أبي بكر، فقالوا: هل لك الى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليله الى بيت المقدس! قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة الى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبوبكر الصديق.
وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر الى تصديق الرسول - ﷺ - ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبدًا (٥)، فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء:
قال أبو محجن الثقفي:
وسُمِّيت صديقًا وكل مهاجر سواك يُسَمَّى باسمه غير منكر
_________________
(١) الإصابة لابن حجر (٤/ ١٤٤،١٤٥).
(٢) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص٢٧.
(٣) ابو بكر الصديق، علي الطنطاوي، ص٤٦.
(٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٥/ ٢٨٠) إسناده صحيح.
(٥) الطبقات الكبرى (٢/ ١٧٢).
[ ١ / ٢٨٣ ]
سبقت الى الاسلام والله شاهد وكنت جليسًا في العريش المشهر (١)
وأنشد الأصمعي (٢)، فقال:
ولكني أحبّ بكل قلبي وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصدِّيق حبًَّا به أرجو غدًا حسن الثواب (٣)
(٣) الصاحب:
لقبه به الله ﷿ في القرآن الكريم: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة، الآية:٤٠)
وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبوبكر - ﵁ - (٤)،
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي - ﷺ - وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي - ﷺ -: (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما).
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فإن المراد بصاحبه هنا أبوبكر بلا منازع (٥)، والاحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في المنقبة غيره (٦).
(٤) الأتقى:
لقبه به الله ﷿ في القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (سورة الليل، الآية: ١٧).
الْأَتْقَى: أي المتقي الخائف.
[*] قال ابن عباس: هو أبو بكر - ﵁ - يزحزح عن دخول النار.
(٥) الأواه:
لقب أبو بكر بالأواه وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله تعالى، فعن ابراهيم النخعي قال: كان أبوبكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته (٧).
كنيته: أبو بكر
- مولد أبي بكر الصديق - ﵁ -:
_________________
(١) أسد الغابة (٣/ ٣١٠).
(٢) هو عبد الملك بن قريب الباهلي رواية العرب ونابغة الدنيا في الحفظ.
(٣) أبوبكر الصديق للطنطاوي، ص٤٩.
(٤) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء، يسري محمد هاني، ص٣٩.
(٥) الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٤٨).
(٦) نفس المصدر (٤/ ١٤٨).
(٧) الطبقات الكبرى (٣/ ١٧١).
[ ١ / ٢٨٤ ]
لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عدد الأشهر (١)، وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه (٢).