كان أبو بكر ﵁ أبيض نحيفًا، خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، وكان يخضب بالحناء والكَتَم.
وكان رجلًا اسيفًا أي رقيق القلب رحيمًا.
- إسلام أبي بكر الصديق - ﵁ -:
_________________
(١) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص٢٩؛ تاريخ الخلفاء، ص٥٦.
(٢) تاريخ الدعوة الى الاسلام في عهد الخلفاء الراشدين، ص٣٠.
[ ١ / ٢٨٥ ]
كان إسلام أبي بكر ﵁ وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطر السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة، والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قَطَعَ الفيافي، والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقل من شمالها إلى جنوبها، وشرقها إلى غربها، واتصل اتصالًا وثيقًا، بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم (١)، فقد حدّث عن نفسه فقال: كنت جالسًا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيْل قاعدًا، فمرّ ابن أبي الصَّلْتِ، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال: كل دين يوم القيامة إلا: ما مضَى في الحنيفية بُور (٢) أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصّدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسبًا. قلت: يا عمّ وما يقول النبي؟ قال: يقول ماقيل له؟ إلا إنّه لا يظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله - ﷺ - آمنت به وصدّقته (٣)، وكان يسمع ما يقوله أمية بن أبي الصلت:
في مثل قوله: ألا نبي لنا منا فيخبرنا مابعد غايتنا من رأس مجرانا
إني أعوذ بمن حج الحجيج له والرافعون لدين الله أركانا
_________________
(١) مواقف الصديق مع النبي بمكة، د. عاطف لماضة، ص٦.
(٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص٥٢.
(٣) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص٥٢.
[ ١ / ٢٨٦ ]
لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، وفكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم - ﷺ - أصحابه يومًا -وفيهم أبو بكر الصديق قائلًا: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلًا: إني أحفظها يا رسول الله، كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!
يُقسم قيس، إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلًا:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردًا للموت ليس لها مصائر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأكابر والأصاغر أيقنت أني لامحالة حيث صار القوم صائر (١)
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه (٢).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب (٣)، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه (٤).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي - ﷺ - في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي - ﷺ - أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق ﵁، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله (٥)؟
_________________
(١) مواقف الصديق مع النبي بمكة، ص٨.
(٢) نفس المصدر، ص٩.
(٣) الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، ص٣٤.
(٤) نفس المصدر، ص٣٤.
(٥) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين، ص٤٤.
[ ١ / ٢٨٧ ]
فعندما فاتحه رسول الله - ﷺ - بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلى الله وحده لاشريك له، ولاتعبد غيره، والموالاة على طاعته (١)، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته فقام بما تعهد ولهذا قال رسول الله - ﷺ - في حقه: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين.
(حديث أبي الدرداء ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ: (أما صاحبكم فقد غامر). فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر). ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر، فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فسلم، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي). مرتين، فما أوذي بعدها.
وبذلك كان الصديق ﵁ أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر. وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبد الرحمن، وصالح بن كيسان وسعد بن ابراهيم وعثمان بن محمد الأخنس وهم لايشكون أن أول القوم إسلامًا أبو بكر (٢)،
[*] عن ابن عباس ﵄ قال:
أول من صلى أبو بكر ثم تمثل بأبيات حسان:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس صدق الرسلا (٣)
وثاني أثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وعاش حميدًا لأمر الله متبعًا بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٨٦)؛ السيرة الحلبية (١/ ٤٤٠).
(٢) صفة الصفوة (١/ ٢٣٧)؛ احمد فضائل الصحابة (٣/ ٢٠٦).
(٣) ديوان حسان بن ثابت تحقيق وليد عرفات (١/ ١٧).
[ ١ / ٢٨٨ ]
وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا (١)
وبإسلام أبي بكر عمٍّ السرور قلب النبي - ﷺ - حيث تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: فلما فرغ من كلامه -أي النبي - ﷺ - أسلم أبو بكر فانطلق رسول الله - ﷺ - من عنده، ومابين الأخشبين أحد أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر (٢). لقد كان أبوبكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافًا، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لإلفة القوم وهو الذي قال فيه ﵊: أرحم أمتي بأمتي أبوبكر، كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق - ﵁ - النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصدِّيق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، ومافيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علمًا لا تجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائمًا، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته، وطبقة رجال الأعمال، ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق، فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قصاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه (٣)، كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا، ولذلك عندما تحرك في دعوته للاسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق (٤).
_________________
(١) ديوان حسان (١/ ١٧).
(٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٩).
(٣) انظر: التربية القيادية للغضبان (١/ ١١٥).
(٤) نفس المصدر (١/ ١١٦).
[ ١ / ٢٨٩ ]