إن من أعظم الأسباب التي تعين على الزهد في الدنيا الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة، فإن الموت هو الخَطب الأفظع والأمر الأشنع .. إنه هادم اللذات، وقاطع الراحات، وجالب الكريهات .. إنه فراق الأحباب، وانقطاع الأسباب، ومواجهة الحساب.
ذكر الموت حياة ونسيانه غفلة .. ومن استحيا من الله حقَّ الحياء لم يغفل عن الموت ولا عن الاستعداد للموت.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
ولقد كان النبي ﷺ يأمر أصحابه وسلم بالإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة ومن ذلك ما يلي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
[ ١ / ١٩٢ ]
[*] قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: "قال علماؤنا: قوله ﵇: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ كلام مختصر وجيز، وقد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة، تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله ﵊: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ مع قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:١٨٥]، ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه".
ولقد أحسن من قال: (اذكر الموت هاذم اللذات وتجهز لمصرع سوف يأتي).
وقال غيره: (اذكر الموت تجد راحةفي ادكار الموت تقصير الأمل)
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
[*] قال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة.