فضل البذل والإنفاق وكثرة الصدقات:
جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر الجزيل من الله سبحانه، وإليك بعض ما ورد في ذلك فارعها سمعك وفكرك واجعل لها في سمعك مسمعًا وفي قلبك موقعًا عسى الله أن ينفعك بها ويوفقك إلى تطبيقها.
قد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال عنهم: (إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلًا مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات ١٩:١٦]
وضاعف العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافًا كثيرة في الدنيا والآخرة فقال تعالى: (مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة: ٢٤٥]
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال من تصدق بعدل تمرةٍ من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يُرَبِيها له كما يربي أحدكم فَلَوَّه حتى تكون مثل الجبل.
[ ١ / ٢١٨ ]
معنى الفَلُّو: المهر وهو صغير الحصان، واختير في التشبيه لأنه يزيد زيادةً بينة بسرعة.
والصدقة من أبواب الخير العظيمة، ومن أنواع الجهاد المتعددة، بل إن الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ورد فيها ذكر الجهاد إلا في موضع واحد،
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - ﷺ - قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.
والبذل والإنفاق من أفضل العمل بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين) أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - أي الإسلامُ خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
والصدقة ترفع صاحبها حتى توصله أعلى المنازل كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِسَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
كما أنها تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.
أضف إلى ذلك إطفاؤها للخطايا وتكفيرها للسيئات وأنها مما يُتقى به من النار كما في الحديث الآتي:
[ ١ / ٢١٩ ]
(حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة).
ومن فضائل الصدقة أن نفقة الصدقة مخلوفة:
قال تعالى: (وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا)
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
أن الخلف هو التيسير لليسرى، مستفادًاَ من قوله تعالى: (فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ * وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ) [الليل / ٧:٥]
والتيسير لليسرى هو التوفيق لأعمال البر الذي يترتب عليه الثواب في الآخرة،
وأن معنى التلف هو التيسير للعسرى مستفادًاَ من قوله تعالى: (وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ * وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ) [الليل / ١٠:٨]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزا، وتواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: أنفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا)
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: قال الله تعالى [أنفق يا ابن آدم أُنفق عليك]
الصدقة هي الباقية:
(حديث عبد الله بن الشخير الثابت في صحيح مسلم) أنه إنتهى إلى النبي - ﷺ - وهو يقرأ (ألهاكم التكاثر) قال: يقول بن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت.
حث النبي - ﷺ - على الصدقة فأخبر أن على كل مسلمٍ صدقة على سبيل الإستحباب:
[ ١ / ٢٢٠ ]
(حديث أبي موسى الأشعري الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: (على كلِ مسلمٍ صدقة فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدَّق قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعملْ بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة.
حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: كلُ ُسلامى من الناس عليه صدقة، كل يومٍ تطلع فيه الشمس، َيعِدلُ بين الاثنين صدقة، ويعين الرجلُ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُ خطوةٍ يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة)
ومعنى الحديث:
أن على كلِ إنسان أن يتصدق كل يومٍ على سبيل الإستحباب بعدد مفاصله وهي (٣٦٠) مفصل شكرًا لله تعالى أن جعل له مفاصل تمكن العظام من الثني.
دعاء النبي - ﷺ - لصاحب الصدقة:
(حديث عبد الله بن أبي الأوفى الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهم صلِّ على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)
أن المُكْثِر من الصدقة يُغْبَطُ في جنب الله تعالى:
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعَلِمُها .