[*] أولًا ترك مجالس أهل الدنيا:
يجب على كل مسلم أن يحذر من مجالس أهل الدنيا لأنها لا تخلوا غالبًا من غيبة أو نميمة أو كثرة الضحك أومزاح بالباطل ليضحك به القوم، وكل هذا مما نهى الشرع عنه.
والغيبة من آفات اللسان التي يجب على طالب العلم أن يحفظ لسانه منها، وجاء في الكتاب والسنة الصحيحة النكيرُ الشديد والنهي الأكيد عن ارتكاب هذه الرذيلة
قال تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [الحجرات / ١٢]
الشاهد من الآية: أن الله تعالى نهى عن الغيبة، والأصل في الأمر التحريم، وشبه المغتاب بأكل الميتة،
تعريف الغيبة: الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره بنص السنة الصحيحة
[ ١ / ٢٢١ ]
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته.
والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على تحريم الغيبة منها ما يلي:
(حديث عائشة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت قلت للنبي - ﷺ - حبكَ من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته.
*معنى مزجته: أي خالطته مخالطةً شديدةً يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من الزجر.
(حديث سعيد ابن زيد في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: أربى الربا الاستطالة في عِرض المسلم بغير حق.
(حديث أبي برزة في صحيح أبي داوود) أن النبي - ﷺ - قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فمن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته.
﴿تنبيه﴾: في الحديث تحذير من الغيبة والوعيد لمن يتبع عورات المسلمين وكسف مساويهم أن يتبع الله عورته ويكشف مساويه على قاعدة الجزاء من جنس العمل.
(حديث أنس في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
*معنى يخمشون: يخدشون
(حديث المستورد ابن شداد في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن اكتسى برجل مسلم ثوبا فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة.
الشاهد: في الحديث الوعيد الشديد لمن أكل برجلٍ مسلم أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه أو بتعريضه للأذية عند من يعاديه.
مسألة: ما يصنع من سمع غيبة أخيه؟
من سمع غيبة أخيه وجب عليه أن يرد عن عرض أخيه:
(حديث أبي في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: من ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
(حديث أسماء بنت يزيد في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال:؟من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار.
(حديث جابر في صحيح أبي داوود) أن النبي - ﷺ - قال: ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
مسألة: ماهي الأمور التي يجوز فيها الغيبة؟
[*] قال النووي رحمه الله تعالى: تباح الغيبة لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستة أسباب:
(١) التظلم: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولايةٌ أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلانٌ بكذا.
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف
(٢) الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه أو نحو ذلك.
(حديث زيد ابن أرقم في الصحيحين) قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ من حوله وقال ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل قالوا كذب زيد رسول الله ﷺ فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله ﷿ تصديقي في ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فدعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم
(٣) الاستفتاء: بأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا، فهل له ذلك وما الطريق في دفع ظلمه عني.
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
[ ١ / ٢٢٣ ]
(٤) تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو معاملته أو مجاورته أو غير ذلك، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة لأن المستشار مؤتمن بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - ﷺ - قال: المستشار مؤتمن.
ومنها إذا رأى متفقهًا يتردد على مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه أن ينصحه ببيان حاله قاصدا النصيحة. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة.
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
(٥) أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.
(حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم) قالت: أتيت النبي - ﷺ - فقلت إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطبا ني فقال رسول الله - ﷺ - أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له.
(٦) التعريف: فإذا كان معروفًا بلقب كالأعمش والأعرج والقصير والأعمى ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصًا ولو أمكن تعريفه بغيرها كان أولى.