أولًا: الإقلال من الطعام والشراب:
الغاية من الإقلال من الطعام والشراب هو إصلاح القلب الذي هو سيد الأعضاء والذي إذا صلح صلح الجسد كله كما في الحديث الآتي:
(حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
إن كثرة الطعام والشبع المفرط يفسد القلب يثقله عن الطاعات، ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا.
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
من مفسدات القلب: الطعام:
والمفسد له من ذلك نوعان:
أحدهما: ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات. وهي نوعان:
محرمات لحق الله: كالميتة والدم، ولحم الخنزير، وذي الناب من السباع والمخلب من الطير.
ومحرمات لحق العباد: كالمسروق والمغصوب والمنهوب، وما أخذ بغير رضا صاحبه، إما قهرا وإما حياء وتذمما.
والثاني: ما يفسده بقدره وتعدي حده، كالإسراف في الحلال، والشبع المفرط، فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها، والتأذي بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة، وطرق مجاري الشيطان ووسعها، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. فالصوم يضيق مجاريه ويسد طرقه، والشبع يطرقها ويوسعها. ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا.
وفي الحديث المشهور: ثم ذكر الأحاديث الآتية:
(حديث مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: " مَا مَلأَ آدَمِىٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِوَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ "
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
[ ١ / ٢٥٠ ]
(ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه) لما فاته من خيور كثيرة جعل البطن وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفًا توهينًا لشأنه ثم جعله شر الأوعية لأنها تستعمل في غير ما هي له والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضي إلى فساد الدين والدنيا فيكون شرًا منها، ووجه تحقق ثبوت الوصف في المفضل عليه أن ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو حرص في الدنيا وكلاهما شر على الفاعل والشبع يوقع في مداحض فيزيغ صاحبه عن الحق ويغلب عليه الكسل فيمنعه من التعبد ويكثر فيه مواد الفضول فيكثر غضبه وشهوته ويزيد حرصه فيوقعه في طلب ما زاد على الحاجة، قال بعضهم: الشبع نهر في النفس يرده الشيطان والجوع نهر في الروح ترده الملائكة
(بحسب ابن آدم) أي يكفيه (لقيمات) بالضم وهي اللقمة أي يكفيه هذا القدر في سد الرمق وإمساك القوة ولهذا قال
(يقمن صلبه) أي ظهره تسمية للكل باسم جزئه إذ كل شيء من الظهر فيه فقار فهو صلب كناية عن أنه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط ويتقوى به على الطاعة
قال الغزالي: وهذه الصيغة في الجميع للقلة فهو لما دون العشرة
(فإن كان لا محالة) من التجاوز عما ذكر فلتكن أثلاثًا
(فثلث) يجعله (لطعامه) أي مأكوله
(وثلث) يجعله (لشرابه) أي مشروبه
[ ١ / ٢٥١ ]
(وثلث) يدعه (لنفسه) بالتحريك يعني أن يبقى من ملئه قدر الثلث ليتمكن من التنفس ويحصل له نوع صفاء ورقة وهذا غاية ما اختير للأكل وهو أنفعها للبدن والقلب فإن البطن إذا امتلأ طعامًا ضاق عن الشراب فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض للكرب والثقل ولما كان في الإنسان ثلاثة أجزاء أرضي ومائي وهوائي قسم طعامه وشرابه ونفسه إلى الأجزاء الثلاثة وترك الناري لقول جمع من الأطباء ليس في البدن جزء ناري ذكره ابن القيم وقال القرطبي: ولو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة وقال الغزالي: ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم منه وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان. (تنبيه) قال ابن عربي: الجوع قسمان جوع اختيار وهو جوع السالكين وجوع اضطرار وهو جوع المحققين فإن المحقق لا يجوع نفسه بل يقلل أكله إن كان في مقام الأنس وإن كان في مقام الهيبة كثر أكله فكثرة الأكل للمحققين دليل على صحة سطوات أنوار الحقيقة على قلوبهم بحال العظمة من مشهودهم وقلة الأكل دليل على صحة المحادثة بحال المؤانسة من مشهودهم وكثرة الأكل للسالكين دليل على بعدهم من اللّه وبعدهم عن بابه واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم وقلة الأكل لهم دليل على نفحات الجود الإلهي على قلوبهم فيشغلهم ذلك عن تدبير جسومهم والجوع بكل حال سبب داخل للسالك والمحقق إلى نيل عظيم الأحوال للسالكين والأسرار للمحققين ما لم يفرط بضجر من الجائع فإن إفراطه يؤدي إلى الهوس وذهاب العقل وفساد المزاج فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب لنيل الأحوال إلا عن أمر شيخ أما وحده فلا، لكن يتعين عليه تقليل الطعام وإدامة الصيام ولزوم أكلة واحدة بين الليل والنهار وأن يغب بالإدام الدسم فلا يأتدم في الجمعة إلا مرتين حتى يجد شيخًا فيسلم أمره إليه ليدبر حاله.
(حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: قَالَ تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ - ﷺ - فَقَالَ " كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
(حديث معاذ ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
[ ١ / ٢٥٢ ]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن رجلًا كان يأكل أكلًا كثيرًا، فأسلم، فكان يأكل أكلًا قليلًا، فذُكر ذلك للنبي فقال: (إن المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
ولذلك نهى النبي عن كل شيءٍ يدعو إلى الشره في الطعام كأن يقرن الرجل بين التمرتين جميعا الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) قال: نهى النبي أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعا حتى يستأذن أصحابه.
﴿تنبيه﴾: السبب في ذلك لأن ذلك يكون سببًا في الطمع والشره وسوء الخلق.
ونهى النبي - ﷺ - عن التجشأ كما في الحديث الآتي:
(حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: قَالَ تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ - ﷺ - فَقَالَ " كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(كف عنا جشاءك) هو الريح الذي يخرج من المعدة عند الشبع
(فإن أكثرهم) يعني الناس
(شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة) والنهي عن الجشاء نهي عن سببه وهو الشبع وهو مذموم طبًا وشرعًا كيف وهو يقرب الشيطان ويهيج النفس إلى الطغيان والجوع يضيق مجاري الشيطان ويكسر سطوة النفس فيندفع شرهما ومن الشبع تنشأ شدة الشبق إلى المنكوحات ثم يتبعها شدة الرغبة إلى الجاه والمال اللذان هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات ثم يتبع ذلك استكثار المال والجاه وأنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ثم يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ثم يتداعى ذلك إلى الحسد والحقد والعداوة والبغضاء ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء والبطر والأشر وذلك مفض إلى الجوع في القيامة وعدم السلامة إلا من رحم ربك.
(حديث معاذ ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
[ ١ / ٢٥٣ ]
(إياك والتنعم فإن عباد اللّه ليسوا بالمتنعمين) لأن التنعم بالمباح وإن كان جائزًا لكنه يوجب الأنس به ثم إن هذا محمول على المبالغة في التنعم والمداومة على قصده فلا ينافيه ما ورد في المستدرك وغيره أن المصطفى ﷺ أهديت له حلة اشتريت بثلاثة وثلاثين بعيرًا وناقة فلبسها مرة على أنه وإن داوم على ذلك فليس غيره مثله فإن المعصوم واقف على حدود المباح فلا يحمله ذلك على ما يخاف غائلته من نحو بطر وأشر ومداهنة وتجاوز إلى مكروه ونحو ذلك وأما غيره فعاجز عن ذلك فالتفريج على تنعمه بالمباح خطر عظيم لإبعاده عن الخوف قال العارف الجنيد: دخلت على العارف السري وهو يبكي فسألته فقال: جاءته البارحة الصبية فقالت: يا أبت هذا الكوز أعلقه لك يبرد فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق نزلت من السماء فقلت: لمن أنت قالت: لمن لا يشرب الماء المبرد فكسرت الكوز.
وبين النبي - ﷺ - أن المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن رجلًا كان يأكل أكلًا كثيرًا، فأسلم، فكان يأكل أكلًا قليلًا، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: (إن المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(المؤمن يأكل في معي) بكسر الميم مقصور مصران
[ ١ / ٢٥٤ ]
(واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) قيل ذا خاص بمعاء رجل قيل هو نضلة الغفاري وقيل غيره فاللام عهدية وقيل عام وهو تمثيل لكون المؤمن يأكل بقدر ما يمسك رمقه ويقوى به على الطاعة فكأنه يأكل في معاء واحد والكافر لشدة حرصه كأنه يأكل في أمعاء كثيرة فالسبعة للتكثير قال القرطبي: وهذا أرجح أو المؤمن يأكل للضرورة والكافر يأكل للشهوة أو المؤمن يقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع من قليل والكافر شديد الحرص لا يطمح بصره إلا للمطاعم والمشارب كالأنعام فمثل ما بينهما من التفاوت كما بين من يأكل في وعاء ومن يأكل في سبعة وهذا باعتبار الأعم الأغلب ولعلك إن وجدت مسلمًا أكولًا ولو فحصت وجدت من الكفار من تفضل نهمته أضعافًا مضاعفة وقيل أراد بالسبعة صفات سبع الحرص والشره وبعد الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن وقيل شهوات الطعام سبع شهوة النفس وشهوة العين وشهوة الفم وشهوة الأذن وشهوة الأنف وشهوة الجوع وهي الضرورة وهي التي يأكل بها المؤمن قال بعض الصحابة: وددت لو جعل رزقي في حصاة ألوكها حتى أموت أو المراد المؤمن الكامل الإيمان لأن شدة خوفه وكثرة تفكره تمنعه من استيفاء شهوته أو المؤمن يسمى فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر وقال ابن العربي: السبعة كناية عن الحواس الخمس والشهوة والحاجة وفيه حث على التقلل من الدنيا والزهد والقناعة بما تيسر وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يمتدحون بقلة الأكل ويذمون كثرته وقال الغزالي: المعاء كناية عن الشهوة فشهوته سبعة أمثال شهوة المؤمن.
ثانيًا: الإقلال من النوم:
وذلك لأن كثرة النوم يميت القلب ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل.
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل. ومنه المكروه جدا، ومنه الضار غير النافع للبدن.
وأنفع النوم: ما كان عند شدة الحاجة إليه. ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه. وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه، وكثر ضرره، ولاسيما نوم العصر. والنوم أول النهار إلا لسهران.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومن المكروه عندهم: النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس؟ فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول ا لأرزاق، وحصول القسم، وحلول البركة. ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه علي حكم تلك الحصة. فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.
بالجملة فأعدل النوم وأنفعه: نوم نصف الليل الأول، وسدسه الأخير، وهو مقدار ثماني ساعات. وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه.
ومن النوم الذي لا ينفع أيضا: النوم أول الليل، عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء. وكان رسول الله يكرهه. فهو مكروه شرعا وطبعا. والله المستعان.
(حديث أبي برزة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
أولًا: الإقلال من الضحك والمزاح:
يجب على المسلم إذا أراد إصلاح قلبه أن يتجنب كثرة الضحك لأن كثرة الضحك تميت القلب بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(كن ورعًا تكن أعبد الناس) أي داوم عليه في جميع الحالات حتى يصير طبعًا لك فتكون أعبد الناس لدوام مراقبتك واشتغالك بأفضل العبادات بظاهرك وباطنك بإيثار حقك على حظك وهذا كمال العبودية ولهذا قال الحسن: ملاك الدين الورع وقد رجع ابن المبارك من خراسان إلى الشام في رد قلم استعاره منها وأبو يزيد إلى همدان لرد نملة وجدها في قرطم اشتراه وقال: غريبة عن وطنها وابن أدهم من القدس للبصرة لرد تمرة، فانظر إلى قوة ورع هؤلاء وتشبه بهم إن أردت السعادة
(وكن قنعا تكن أشكر الناس) لأن العبد إذا قنع بما أعطاه اللّه رضي بما قسم له وإذا رضي شكر فزاده اللّه من فضله جزاء لشكره وكلما زاد شكرًا ازداد فضلًا ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
(وأحب للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مؤمنًا) أي كامل الإيمان لإعراضك عن هواك وإن لم تحب لهم ما تحب لنفسك فأنت مؤمنًا ناقص الإيمان لمتابعتك هواك
[ ١ / ٢٥٦ ]
(وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا) أي كامل الإسلام فإن المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه
(وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) وفي رواية البيهقي بدله فإن في كثرة الضحك فساد لقلب وإذا فسد القلب فسد الجسد كله.
(تنبيه) الضحك المميت للقلب ينشأ من الفرح والبطر بالدنيا وللقلب حياة وموت فحياته بدوام الطاعة وموته بإجابة غير اللّه من النفس والهوى والشيطان، بتواتر أسقام المعاصي تموت الأجسام بأسقامها واقتصر من أسباب موته على كثرة الضحك وهو ينشأ عن جميعها لانتشائه من حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة بنص الخبر أوحى اللّه إلى داود ومن عصاني فقد مات ومن أسباب موت [ص ٥٣] القلب الأشر والبطر والفرح وإذا مات لم يستجب له اللّه إذا دعاه.
(تنبيه) المأمور بالكف عن كثرة الضحك إنما هو أمثالنا أما من ذاق مشرب القوم من الأحباب فليس مرادًا بهذا الخطاب، قال بعض العارفين: جلس ذو النون للوعظ والناس حوله يبكون وشاب يضحك فزجره، فأنشأ يقول: كلهم يعبدون اللّه من خوف النار * ويرون النجاة حظا جزيلا ليس لي في الجنان والنار رأي * أنا لا أبتغي بحبي بديلا فقيل له: فإن طردك فما تفعل؟ قال: فإذا لم أجد من الحب وصلا * رمت في النار منزلا ومقيلا ثم أزعجت أهلها ببكائي * بكرة في ضريعها وأصيلا معشر المشركين نوحوا عليّ * أنا عبد أحببت مولىً جليلا لم أكن في الذي ادّعيت صدوقًا * فجزائي منه العذاب الوبيلا وقال ابن عربي: خدمت امرأة من المخبآت العارفات تسمى فاطمة بنت المثنى القرطبي خدمتها وسنها فوق خمس وتسعين سنة وكنت أستحي أنظر إليها من حمرة خديها وحسن نغمتها وجمالها كأنّ عمرها دون عشرين سنة وكانت تضرب بالدف وتفرح وتقول اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه فكيف لا أفرح ومن أنا حتى يختارني على ابن جني.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(اتق المحارم) أي احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك
[ ١ / ٢٥٧ ]
(تكن أعبد الناس) أي من أعبدهم لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد وقال الذهبي هنا والله تكسب العبرات فيريد أن يكون يسيرًا بكل و(٣) فيقوم به وعارفًا بكل محرم فيجتنبه
(وارض) أي اقنع
(بما قسم الله لك) أي أعطاك وجعله حظك من الرزق
(تكن أغنى الناس) فإن من قنع استغنى ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس والقناعة غنى وعز بالله وضدها فقر وذل للغير ومن لم يقنع لم يشبع أبدًا ففي القناعة العز والغنى والحرية وفي فقدها الذل والتعبد للغير تعس عبد الدنيا تعس عبد الدينار فيتعين على كل عاقل أن يعلم أن الرزق بالقسم والحظ لا بالعلم والعقل ولا فائدة للجد حكمة بالغة دل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته قال الحكماء: ولو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم ونظمه أبو تمام فقال: ينال الفتى من عيشه وهو جاهل * ويكدى الفتى في دهره وهو عالم ولو كانت الأقسام تجري على الحجا * هلكن إذن من جهلن البهائم ومن كلامهم كم رأيت أعرج في المعالي عرج
(وأحسن إلى جارك) بالقول والفعل والجار المجاور لك وما قرب من منزلك عرفًا
(تكن مؤمنًا) أي كامل الإيمان فإذا لم تقدر على الإحسان إليه فكف عن أذاه وإن كان مؤذيًا لك فيلزمك الصبر حتى يجعل الله لك فرجًا قال الراغب: والإحسان يقال للإنعام على الغير وللإحسان في فعله وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا وعليه قول علي كرم الله وجهه " الناس أبناء ما يحسنون أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة والإحسان أعم من الإنعام والعدل إذ العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له
(وأحب) أي ارض
(للناس ما تحب لنفسك) من الخير
(تكن مسلمًا) كامل الإسلام بأن تحب لهم حصول ما تحبه لنفسك من جهة لا يزاحمونك فيها فإن انتفت المحبة لنحو حقد أو غل أو حسد انتفى عنه كمال الإيمان وغاير في ما بين لفظي الإيمان والإسلام تفننًا إذ المراد بهما هنا واحد قال السدي لي ثلاثون سنة في الاستغفار عن قولي الحمد لله وذلك أنه وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال نجا حانوتك فقلت الحمد للّه فمذ قلتها فأنا نادم حيث أردت لنفسي خيرًا دون المسلمين
[ ١ / ٢٥٨ ]
(ولا تكثر الضحك) بفتح وكسر وهو كيفية يحصل منها انبساط في القلب مما يعجب الإنسان من السرور ويظهر ذلك في الوجه والإكثار منه مضر بالقلب منهي عنه شرعًا وهو من فعل السفهاء والأراذل مورث للأمراض النفسانية ولذا قال (فإن كثرة الضحك تميت القلب) أي تصيره مغمورًا في الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها شيئًا من مكروه وحياته وإشراقه مادة كل خير وموته وظلمته مادة كل شر وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره وتصور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه ولهذا قال لقمان [ص ١٢٥] لابنه يا بني لا تكثر الضحك من غير عجب ولا تمشي من غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما أخرت وقال موسى للخضر: أوصني فقال: كن بسامًا ولا تكن غضابًا وكن نفاعًا ولا تكن ضرارًا وانزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير الخطائين بخطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران وفي صحف موسى عجبًا لمن أيقن بالنار كيف يضحك عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب عجبًا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما لمصلحته.
ولهذا ما كان النبي - ﷺ - يضحك إنما كان يبتسم
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت ما رأيت رسول الله - ﷺ - ضاحكًا حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم.
(حديث جرير ابن عبد الله في الصحيحين) قال ما رآني رسول الله - ﷺ - منذ أن أسلمت إلا تبسم في وجهي.
(حديث يزيد ابن سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا ومن أخذ عصا أخيه فليرُدَّها.
(حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: لا يحلُ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلمًا.
النهي عن كثرة المزاح:
[*] قال علي ابن أبي طالب ﵁: أعط الكلام من المزح بمقدار ما تعطي الطعام من الملح نحن لا نستغني عن المزاح في حياتنا اليومية الملئية بالضغوطات والمشاكل والصعوبات التي تعترضنا دائمًا .. لذا علينا أن نجعل مزاحنا مع الآخرين بمقدار ما تعطي الطعام من الملح ..
[ ١ / ٢٥٩ ]
فيجب أن لا نتمادى في الضحك والمزح حتى يصبح الضحك سخرية من الآخرين والمزح اسفافًا وابتذالًا ونحن لا ندعو إلى تجنب المزاح مع الآخرين، فالنفس البشرية تحب المزح والمرح وخصوصًا أن ضغوطات الحياة اليومية تدفع بالمرء دفعًا إلى أن يقضي بعض الوقت في المزح البريء غير الجارح أو الهادم للعلاقات والمشاعر وقديمًا قالوا "للضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصّر عنهما أحد صار الفاضل خطلًا والتّقصير نقصًا. فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر ولم يعيبوا المزح إلا بقدر. ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدّا"، والضحك وقارًا."
النهي عن المزاح كذبًا ليضحك به القوم:
وقد حذر النبي من المزاح كذبًا ليضحك به القوم كما في الحديث الآتي:
(حديث معاوية ابن حيدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(ويل للذي يحدث فيكذب) في حديثه
(ليضحك به القوم ويل له ويل له) كرره إيذانًا بشدة هلكته وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة.
﴿تنبيه﴾: يجوز للإنسان أن يمزح إن لم يكن كثيرًا بشرط أن يكون مزحه صدقًا فإن فيه إجمامًا للقلوب وتفريجًا للكروب.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال: إني لا أقول إلا حقًا.
وهاك عينات من مزاح وطرفة النبي - ﷺ -:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ فقال: إني حاملك على ولد الناقة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال رسول الله ﷺ وهل تلد الإبل إلا النوق.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال له يا ذا الأذنين.
[ ١ / ٢٦٠ ]
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: " أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز إن الله تعالى يقول " إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا "
﴿تنبيه﴾: ومما يجب اجتنابه في المزح أن لا يأخذ متاع أخيه على سبيل المزاح، وكذلك يحرم عليه أن يروِّع أخيه على سبيل المزح.