للركوب والمشي آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علمًا وأن يتبعها حتى يكون متأسيًا بالنبي - ﷺ -، وهاك آداب الركوب والمشي المساجد جملةً وتفصيلا:
أولًا آداب الركوب والمشي جملةً:
(١) النهي عن مشية الخيلاء:
(٢) أحسن المشي وأعدله:
(٣) كراهة المشي في نعل واحدة:
(٤) من السنة الاحتفاء أحيانًا:
(٥) رب الدابة أحق بصدر دابته:
(٦) جواز الارتداف على الدابة إذا لم يشق عليها:
(٧) كراهية اتخاذ الدواب منابر:
ثانيا آداب الركوب والمشي تفصيلا:
(١) النهي عن مشية الخيلاء:
التبختر في المشي من الصفات الذميمة التي تنم عن كبرٍ وعجبٍ بالنفس. والمؤمن من صفاته التواضع والاستكانة لا الكبر والغطرسة، والكبر من فواحش العيوب وقبائح الذنوب، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة
[ ١٠ / ١٦٢ ]
قال تعالى: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [سورة: القصص - الآية: ٨٣]
قال تعالى: (وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [سورة: لقمان - الآية: ١٨]
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ.
بَطَرُ الْحَقِّ: التكبر على الحق وعدم قبوله.
غَمْطُ النَّاسِ: احتقارهم وازدرائهم.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ.
(حديث ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذَابِحَ - يَعْنِي المَحَارِيْبَ ـ.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
﴿تنبيه﴾: ولا يكون التبختر إلا في مواطن الحرب لإغاظة الأعداء، كما فعل أبو دجانة﵁- عندما اعتصب بعصابة -له- حمراء ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله ﷺ حين رآه يتبختر إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
(٢) أحسن المشي وأعدله:
كان رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا:
(حديث عَلِيٍّ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالطَّوِيلِ (١) وَلَا بِالْقَصِيرِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ (٢) ضَخْمَ الرَّأْسِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ (٣) طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا (٤) كَأَنَّمَا انْحَطَّ (٥) مِنْ صَبَبٍ (٦) لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ.
قال صاحب "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
_________________
(١) أَيِ: الْمُفْرِطِ فِي الطُّولِ.
(٢) أَيْ: أَنَّهُمَا يَمِيلَانِ إِلَى الْغِلَظِ، وَالْقِصَرِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي فِي أَنَامِلِهِ غِلَظٌ بِلَا قِصَرٍ، وَيُحْمَدُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِقَبْضِهِمْ وَيُذَمُّ فِي النِّسَاءِ
(٣) هِيَ رُءُوسُ الْعِظَامِ، واحِدُهَا كُرْدُوسٌ، وَقِيلَ: هِيَ مُلْتَقَى كُلِّ عَظْمَيْنِ ضَخْمَيْنِ كَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْمِرْفَقَيْنِ، وَالْمَنْكِبَيْنِ أَرَادَ أَنَّهُ ضَخْمُ الْأَعْضَاءِ.
(٤) التكفِّي: التمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. (لسان العرب: ١/ ١٤١ - ١٤٢) مادة: كفأ.
(٥) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: يَسْقُطُ.
(٦) مَوْضِعٍ مُنْحَدِرٍ مِنَ الْأَرْضِ.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
(لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالطَّوِيلِ) أَيِ: الْمُفْرِطِ فِي الطُّولِ (وَلَا بِالْقَصِيرِ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ (شمائل النبي) وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الرَّبْعَةِ إِذَا مَشَى وَحْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى حَالٍ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إِلَّا طَالَهُ - ﷺ - وَلَرُبَّمَا اكْتَنَفَهُ الرَّجُلَانِ الطَّوِيلَانِ فَيَطُولَهُمَا فَإِذَا فَارَقَاهُ نُسِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الرَّبْعَةِ﴾ (١). رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَالْبَيْهَقِيُّ (شَثْنَ الْكَفَّيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ (شمائل النبي» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالنُّونِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَنَّهُمَا يَمِيلَانِ إِلَى الْغِلَظِ، وَالْقِصَرِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي فِي أَنَامِلِهِ غِلَظٌ بِلَا قِصَرٍ، وَيُحْمَدُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِقَبْضِهِمْ وَيُذَمُّ فِي النِّسَاءِ. انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: شَثِنَتْ كَفُّهُ كَفَرِحَ وَكَرُمَ شَثَنًا وَشُثُونَةً خَشُنَتْ وَغَلُظَتْ فَهُوَ شَثْنُ الْأَصَابِعِ بِالْفَتْحِ، فَإِنْ قُلْتَ هَذَا يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ ﴿مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ -ﷺ﴾ (٢) -، قُلْتُ قِيلَ: اللِّينُ فِي الْجِلْدِ، وَالْغِلَظُ فِي الْعِظَامِ فَيَجْتَمِعُ لَهُ نُعُومَةُ الْبَدَنِ مَعَ الْقُوَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ - ﵁ - ﴿أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - خَلْفَهُ فِي سَفَرٍ فَمَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ جِلْدِهِ -ﷺ﴾ (٣)
_________________
(١) - البخاري المناقب (٣٣٥٥)،مسلم الفضائل (٢٣٤٧)،الترمذي المناقب (٣٦٢٣)،أحمد (٣/ ٢٤٠)،مالك الجامع (١٧٠٧).
(٢) - البخاري المناقب (٣٣٦٨)،أحمد (٣/ ٢٢٨)،الدارمي المقدمة (٦٢).
(٣) - الترمذي البر والصلة (٢٠١٥) ..
[ ١٠ / ١٦٥ ]
- (ضَخْمَ الرَّأْسِ (شمائل النبي» أَيْ: عَظِيمَهُ (ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ (شمائل النبي» هِيَ رُءُوسُ الْعِظَامِ، واحِدُهَا كُرْدُوسٌ، وَقِيلَ: هِيَ مُلْتَقَى كُلِّ عَظْمَيْنِ ضَخْمَيْنِ كَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْمِرْفَقَيْنِ، وَالْمَنْكِبَيْنِ أَرَادَ أَنَّهُ ضَخْمُ الْأَعْضَاءِ (طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ (شمائل النبي» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ: الشَّعْرُ الْمُسْتَدَقُّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ (تَكَفَّا تَكَفِّيًا (مشية النبي» قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ: تَمَايَلَ إِلَى قُدَّامَ، هَكَذَا رُوِيَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَالْأَصْلُ الْهَمْزُ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ مَهْمُوزًا؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّحِيحِ تَفَعُّلَ كَتَقَدَّمَ تَقَدُّمًا وَتَكَفَّأَ تَكَفُّأً، وَالْهَمْزَةُ حَرْفٌ صَحِيحٌ فَأَمَّا إِذَا اعْتَلَّ انْكَسَرَتْ عَيْنُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ نَحْوُ: تَحَفَّى تَحَفِّيًا، وَتَسَمَّى تَسَمِّيًا فَإِذَا خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ الْتَحَقَتْ بِالْمُعْتَلِّ، وَصَارَ تَكَفِّيًا بِالْكَسْرِ. انْتَهَى مَا فِي النِّهَايَةِ (كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: يَسْقُطُ (مِنْ صَبَبٍ) أَيْ: مَوْضِعٍ مُنْحَدِرٍ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الصَّبَبُ: الْحُدُورُ وَمَا يَنْحَدِرُ مِنَ الْأَرْضِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَشْيًا قَوِيًّا وَيَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَيُقَارِبُ خُطَاهُ تَنَعُّمًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (لَمْ أَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُدْرِكْ زَمَانًا قَبْلَ وُجُودِهِ (وَلَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ. أهـ
(حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ.
(٣) كراهة المشي في نعل واحدة:
يُكره للمسلم أن يمشي في نعل واحدة، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
[ ١٠ / ١٦٦ ]
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا.
(٤) من السنة الاحتفاء أحيانًا:
من السنة الاحتفاء - أحيانًا - أي المشي حافيًا.
(حديث فضالة بن عبيد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا.
وفي الاحتفاء كسرٌ لما اعتاده المرء من التنعم الحاصل بالمداومة على التنعل.
(٥) رب الدابة أحق بصدر دابته:
من ملك شيئًا فهو أحق به من غيره، وركوب الدواب الحي منها والجماد يأخذ الحكم نفسه. فصاحب الجمل أو الخيل أو (السيارة) أحق بصدر دابته ومقدمته من غيره، فلا يُركب في مقدمتها إلا بإذنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث بُرَيْدَةَ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَمْشِي جَاءَ رَجُلٌ وَمَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْكَبْ، وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِكَ مِنِّي إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي قَالَ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ.
(٦) جواز الارتداف على الدابة إذا لم يشق عليها:
ومن آداب الركوب أنه لا بأس بركوب اثنين أو ثلاثة ما دامت الدابة تطيق ذلك. والنبي ﵌ أردف بعض أصحابه كمعاذ وأسامة والفضل وكذا إردافه لعبد الله بن جعفر والحسن أو الحسين معًا وغيرهم-رضي الله عن الجميع- (١)، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
_________________
(١) . وفي هذا دلالة على أن تحميل الدابة ما لاتطيقه من الظلم لها، وقد يؤدي بها إلى التلف. وفيه إشارة تعلم بالحس، وهو أن تحميل الدواب الآلية فوق طاقتها وحمولتها المقرر لها من قبل صانعها، يضر بها ويسبب لها العطب.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
(حديثُ أنس الثابت في الصحيحين): أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ يَا مُعَاذُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قَالَ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
(٧) كراهية اتخاذ الدواب منابر:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وَجَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ.
والمعنى: لا تجلسوا على ظهورها فتوقفونها وتحدثون بالبيع والشراء وغير ذلك بل انزلوا واقضوا حاجاتكم ثم اركبوا، قاله القاري (١).
ولا يعكر على ذلك وقوف النبي ﵌ على دابته في حجة الوداع، فإن ذلك كان لمصلحة راجحة وهو لا يتكرر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
_________________
(١) . عون المعبود: المجلد الرابع (٧/ ١٦٩)
[ ١٠ / ١٦٨ ]
وأما وقوف النبي ﷺ على راحلته في حجة الوداع وخطبته عليها، فذاك غير ما نهى عنه، فإن هذا عارض لمصلحة عامة في وقت ما، لا يكون دائمًا، ولا يلحق الدابة منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا لمصلحة، بل يستوطنها ويتخذها مقعدًا يناجي عليها الرجل، ولا ينزل إلى الأرض، فإن ذلك يتكرر ويطول، بخلاف خطبته ﷺ على راحلته ليسمع الناس، ويعلمهم أمور الإسلام وأحكام النسك، فإن هذا لا يتكرر ولا يطول ومصلحته عامة (١).