للسفر آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علمًا وأن يتبعها حتى يكون متأسيًا بالنبي - ﷺ -، وهاك آداب السفر المساجد جملةً وتفصيلا:
أولًا آداب السفر جملةً:
(١) معرفة فوائد السفر:
(٢) معرفة عيوب السفر:
(٣) معرفة حكم السفر:
(٤) تقديم الاستخارة قبل السفر:
(٥) إذا عزم على السفر فليبدأ بالتوبة من المعاصي:
(٦) إرضاء والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته:
(٧) كراهية الوحدة في السفر:
(٨) يستحب له أن يطلب رفيقًا:
(٩) استحباب التأمير في السفر إذا كانوا ثلاثة فأكثر:
(١٠) يستحب طلب الدعاء والوصية من أهل الخير والصلاح:
(١١) يستحب السفر يوم الخميس:
(١٢) يستحب أن يكون السفر مبكرًا:
(١٣) استحباب التوديع للمسافر:
(١٤) يستحب أن يستكثر من الزاد والنفقة:
(١٥) السنة أن يدعوا إذا خرج من بيته:
(١٦) ما يقول إذا ركب:
(١٧) ما يدعو به في سفره:
(١٨) استحباب ذكر الله في حال سيره وإقامته:
(١٩) دعاء نزول المنزل:
(٢٠) صلاة التطوع في السفر:
(٢١) ما يقول إذا خاف قومًا:
(٢٢) النهي عن اصطحاب الكلب والجرس في السفر:
(٢٣) النهي عن سفر المرأة بدون محرم:
(٢٤) استحباب الاجتماع عند النزول وعند الأكل:
(٢٥) النوم في السفر:
(٢٦) استحباب رجوع المسافر لأهله بعد قضاء حاجته وعدم الإطالة:
(٢٧) كراهية قدوم المسافر على أهله ليلًا:
(٢٨) استحباب الصلاة ركعتين في المسجد عند قدوم البلد:
(٢٩) تحريم سفر المرأة بدون محرم:
(٣٠) كَرَاهَيةِ السِّيَاحَةِ إلَى غَيْرِ مَكَان مَعْلُومٍ وَلَا غَرَضٍ مَشْرُوعٍ:
ثانيا آداب السفر تفصيلا:
(١) معرفة فوائد السفر:
للسفر فوائد غزيرة منها ما يلي:
(١) خمسة فوائد أوردها الشافعي كما يلي:
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن الشافعي قال:
تغرب عن الأوطان تكتسب العلي وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
[ ١٠ / ٧٢ ]
تَفَرُّجُ هَمَّ، واكتسابُ معيشةٍ وعلمٌ، وآداب، وصحبةٌ ماجدِ
(الفائدة الأولى): وهي انفراج الهم:
فإن الله أجرى العادة، أن الملازم لمكان واحد، وطعام واحد يسأم منه، لا سيما إذا كان في هم كثير، انتقل عن تلك الحالة أو تشاغل بغيرها، تصرّف عنه الهم على التدريج، وانبعثت روحانيته لما يروم.
قال يحيى بن عدي: إن الطبيعة تمل الشيء الواحد إذا دام عليها، ولذلك اتخذت ألوان الطعام، وأطلق التزويج بأربع نسوة (١)، ورسم التنزه والتحول من مكان إلى مكان، والإكثار (٢) من الإخوان، والتفنن في الآداب، والجمع بين الجد والهزل.
قال الحريري:
وَجدتُ بها ما يملأُ العينَ قرةً ويسلي عن الأوطانِ كلَّ غريب
(الفائدة الثانية): وهي اكتساب المعيشة:
فإنها لا تكون إلا بالتحرك، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥]
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن أحمد ابن أبي داؤد قال: "الاستعجال قرين الاحتياج". ومن الكلم النوابغ: "صعود الإكام (٣) وهبوط الغيطان قرين القعود بين الحيطان". ولله در السراج الوراق حيث يقول:
دع الهوينا وانتصب واكتسب واكدح فنفس المرء كداح
وكن عن الراحة في معزل فالصفع موجود مع الراحة
وقال آخر:
ليس ارتحالك في نفس الغني سفرا بل المقام على فقر هو السفر
من أعظم ما يتحلى به المؤمن التحلي بفضيلة التكسب والتجارة والاستغناء عن الناس، والسنة المشرفة طافحةٌ بما يحث على فضيلة التكسب وعمل الإنسان بيده ليستغني بالله تعالى عن الناس، ومن ذلك ما يلي:
(حديث أبي بردة بن نيار ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
أَفْضَلُ الْكَسْبَِْ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَجُلِ بِيَدِه.
_________________
(١) قال تعالى (سورة النساء: ٣): ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾.
(٢) في الحاشية: (والاستكثار).
(٣) جمع (أكمة) وهي: الرابية، وهو دون الجبل. والغيطان: جمع (غائط): وهو المكان المطمئن من الأرض. وقيل هو، المتسع من الأرض مع طمأنينة. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٠، ٧/ ٣٦٤)، دار صادر.
[ ١٠ / ٧٣ ]
(حديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ.
(التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ إِلَخْ) أَيْ: مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ في البيع كَانَ فِي زُمْرَةِ الْأَبْرَارِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ.
(حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال: (ما أكل أحدٌ طعامٌ قط، خيرٌ من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكلُ من عمل يده)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: (والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيحتطبَّ على ظهره، خيرٌ له من أن يأتيَ رجلًا فيسألَه، أعطاهُ أو مَنَعه)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: (كان زكرياء نجارًا)
(حديث عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: "لَوْ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكّلُونَ عَلَى الله حَقّ تَوَكّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ".
(حديث أبي بردة بن نيار ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
أَفْضَلُ الْكَسْبَِْ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَجُلِ بِيَدِه.
قال الإمام المناوي ﵀ في فيض القدير:
(أفضل الكسب بيع مبرور) أي لا غش فيه ولا خيانة أو معناه مقبول في الشرع بأن لا يكون فاسدًا أو مقبول عند اللّه بأن يكون مثابًا عليه.
(عمل الرجل بيده) من نحو صناعة أو زراعة وقيد العمل باليد لكون أكثر مزاولته بها وخص الرجل لأنه المحترف غالبًا لا لإخراج غيره وظاهر الحديث تساويهما في الأفضلية قال بعضهم وقد قيل له لا تتبع التكسب فيدنيك من الدنيا فقال لئن أدناني من الدنيا فقد صانني عنها.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: (ليستغن أحدكم عن الناس بقضيب سواك)
وبين النبي - ﷺ - أن العبد إذا رزقه الله مالًا وعلما فهو بأحسن المنازل عند الله بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
[ ١٠ / ٧٤ ]
(حديث أبي كبشة الأنماري الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله، وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْت رَجُلًا يَقُولُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي فِي كِفَايَةٍ قَالَ الْزَمْ السُّوقَ تَصِلُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَعُودُ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ لِلْمَيْمُونِيِّ اسْتَغْنِ عَنْ النَّاسِ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْغَنِيِّ عَنْ النَّاسِ وَقَالَ رَجُلٌ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ فِي بَيْتِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَثِقُ بِاَللَّهِ فَيَأْتِيه بِرِزْقِهِ قَالَ: إذَا وَثِقَ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ وَثِقَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْء أَرَادَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا غَيْرُهُمْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد، في قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: ١٧٢] قال: التجارة.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧] قال: التجارة.
[ ١٠ / ٧٥ ]
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن أبي بكر المروذي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله ﵀: إني في كفاية، فقال: " الزم السوق تصل به الرحم وتعود به "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله، يأمر بالسوق ويقول: " ما أحسنَ الاستغناءَ عن الناس "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن أن أبا عبد الله رحمه الله تعالى قال: قال رجل للسري بن يحيى وكان يتجر في البحر: تركب البحر في طلب الدنيا؟ قال: " أحب أن أستغني عن ضربك من الناس "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عبيد الله بن موسى، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: المال في هذا الزمان سلاح.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن محمد بن ثور قال: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام، فيقول " ما يُجْلِسِكُم؟ " فنقول: فما نصنع؟ قال: " اطلبوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالا على المسلمين "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة أن إبراهيم بن أدهم كان إذا قيل له: كيف أنت؟ قال: بخير ما لم يتحمل مؤنتي غيري.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الفيض بن إسحاق، قال: سألت الفضيل بن عياض، قلت: لو أن رجلا قعد في بيته، زعم أنه يثق بالله فيأتيه برزقه؟ قال: يعني إذا وثق به حتى يعلم أنه قد وثق به، لم يمنعه شيء أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد كانت الأنبياء يؤاجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ آجر نفسه، وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزق الله ﷿، وقد قال الله تعالى في كتابه: قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ) [الجمعة: ١٠]. فلابد من طلب المعيشة
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الحسن بن الربيع، يقول: لأن أكسب قيراطا (١) أحب إلي من أن يصلني أحد بعشرة دراهم.
_________________
(١) القيراط: عشر الدينار
[ ١٠ / ٧٦ ]
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد، في قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: ١٧٢] (١) قال: التجارة.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير في من لا يطلب المال يقضي به دينه، ويصون به عرضه، ويقضي به ذمامه، وإن مات تركه ميراثا لمن بعده.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن سعيد بن المسيب، أنه ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها ديني وحسبي، لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويكف به وجهه.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عائشة، قالت: كان أبو بكر ﵁ أتجر قريش حتى دخل في الإمارة.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عبد الله بن عمرو، أنه قال لقيم له في شهر رمضان: هل كلت لأهلنا قوت شهرهم هذا؟ قال: نعم، قال عبد الله بن عمرو: سمعت النبي ﷺ يقول: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت "
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﵀: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَتْرُكُ التِّجَارَةَ وَيُقْبِلُ عَلَى الصَّلَاةِ يَعْنِي وَرَجُلٌ يَشْتَغِلُ بِالتِّجَارَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ التَّاجِرُ الْأَمِينُ.
وَتَرَكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ دَنَانِيرَ: فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْهَا إلَّا لِأَصُونَ بِهَا دِينِي وَحَسَبِي، لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَجْمَعُ الْمَال فَيَقْضِي دَيْنَهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ. أهـ
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
[ ١٠ / ٧٧ ]
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي﴾ وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ ﴿تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا﴾ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ ﵀: لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَتْعَبُ لَك وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ.
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن سفيان الثَّوْرِيُّ قَالَ لَأَنْ أَخْلُفَ عَشْرَةَ آلَاف دِرْهَمٍ يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ.
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر أن رجلًا قال لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ! أتحرك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال: لا بل تحرك، فإنه أصلح لك، فقال له أتقول هذا؟! فقال: وما أنا قلت، ولكن الله ﷿ أمر به، قال الكريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] ولو شاء أن ينزله عليها (١).
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن عبد ربه قال: هل يجوز في عقل، أو يمثل في وهم، أو يصح في قياس أن يحصد زرع بغير بذر، أو يجني ثمر بغير غرس، أو يورى زند بغير قدح، أو ينموا مال بغير طلب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: جاءني طاووس فقال لي: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه وجعل دونك حجابًا، وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك بالإجابة.
_________________
(١) تاريخ بغداد: (١٣/ ١٩٩)، طبعة دار الفكر.
[ ١٠ / ٧٨ ]
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي الأحوص سلام بن سليمل قال: قال لي سفيان الثوري: عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال، قال: وكان سفيان الثوري إذا أعجبه تجر الرجل، قال: نعم الفتى إن عوجل.
إباحة جمع المال للقائم بحقوقه:
(حديث عمرو بن العاص الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - ﷺ - قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح.
(حديث يسار بن عُبيد الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: لا بأس بالغنى لمن اتقى والصحة لمن اتقى خير من الغنى وطيب النفس من النعيم.
قال أهل العلم:
الواجب على العاقل أن يعمل في شبابه فيما يقيم به أوده كالشيء الذي لا يفارقه أبدا وفيما يصلح به دينه كالشيء الذي لا يجده غدا وليكن تعاهده لماله ما يصلح به معاشه ويصون به نفسه وفي دينه ما يقدم به لآخرته ويرضي به خالقه والفاقه خير من الغنى بالحرام والغنى الذي لا مروءة له أهون من الكلب وإن هو طوق وخلخل.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن محمد بن المنكدر قال نعم العون على تقوى الله الغني.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عبدان قال دخلت على عبد الله المبارك وهو يبكي فقلت له مالك يا أبا عبد الرحمن قال بضاعة لي ذهبت قال قلت أو تبكي على المال قال إنما هو قوام ديني.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة يا أيوب الزم سوقك فإنك لا تزال كريما على إخوانك ما لم تحتج إليهم.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافيه.
(الفائدة الثالثة): وهي حصول العلم والأدب:
فقد كان السلف يرحلون في طلب الفائدة، ورحل جابر بن عبد الله ﵄ في طلب حديث واحد (١). وقال موسى: "لا تلوموا، فإني أدركت منه ما لم يدرك أحد". يريد: أن الله تعالى كلمه. ونظم هذا أبو تمام، فقال:
_________________
(١) علقة البخاري في الصحيح بصبغة الجزم (٣ - كتاب العلم، ١٩ - باب الخروج في طلب العلم)، فتح الباري (١/ ٢٠٨) طبعة دار الريان، وأخرجه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب (٩٧٠)، وأبو يعلى (كما قال الحافظ)، والحاكم (٢/ ٤٣٧) وصححه ووافقه الذهبي. قال المنذري: رواه أحمد وإسناده حسن. قال الحافظ في الفتح (١/ ٢١٠): والإسناد حسن وقد اعتضد.
[ ١٠ / ٧٩ ]
فإن موسى صلى روحه لله صلاةً كثيرةَ القُدُسِ
صار نبيًا، وأعْظِم بغيبته في جذوة للصلاةِ أو قبسٍ
وقال آخر:
أولى التغرب، ما ارتقى در البحور إلى النحور
(الفائدة الرابعة): وهي الآداب:
فلما يرى من الأدباء، ولقاء العلماء والعقلاء الذين لا يردون قطره، فيكتسب من أخلاقهم وخلايقهم، ويتحلى بفوائدهم وحقايقهم، كما قيل:
إذا أعجبتكَ خلالُ امرئٍ فكُنه، يكُنْ فيكَ ما تعجب
فليس على المجد والمكرمات إذا رُمتها حاجبّ يحَجب
(الفائدة الخامسة):: وهي صحبة الأمجاد:
فيشهد لها الحس والواقع، وصحبة الأمجاد ترفع المنقوص، وترقيه إلى رتبة أهل الخصوص، وتدخِلُهُ في زمرتهم، وتنسجه في لحمتهم، ولله در القائل:
نزلتُ على آل المهلب شاتيًا غريبًا عن الأوطان في زمن المَحْلِ
فما زالَ بي إحسانهم، وجميلهم وبرهمْ، حتى حسبتهُم أهلي
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن الثعالبي قال:"من فضائل السفر: أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومن بدايع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علمًا بقدرة الله تعالى، ويدعوا شكرًا على نعمه".
وأورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن المأمون قال: "لا شيء ألذّ من السفر في كفاية؛ لأنك كل يوم تحل محلة لم تحلها، وتعاشر قومًا لم تعاشرهم".
وأورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن عنترة قال: "السفر يشدُّ الأبدان، وينشط الكسلان، ويشهي الطعام".
وأورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن رشيق قال: "كتب إلى بعض إخواني: مثل الرجل القاعد - أعزك الله - كمثل الماء الراكد إن ترك تغير، وإن ترك تكدر، ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه رحمة، وهؤلاء يدعونه نقمة، فإذا اتصلت أيامه ثقل مقامه وكثر لوّامه، فأجمع لنفسك فرحة الغيبة، وفرحة الأوبة. والسلام".
وقالت الحكماء: "لا تدرك الراحة إلا بالتعب، ولا الرغبة إلا بالنصب".
وقال ابن شرف القيرواني:
وصيّر الأرض دارا والورى رحلا حتى ترى مقبلا في الناس مقبولا
ولهذه الفوائد أو بعضها أكثر الناس من الأسفار حتى قيل:
كريشة بمهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق
وقال ابن اللبان:
كأنما الأرض عني غير راضية فليس لي وطن فيها ولا وطر
وللسفر فوائد غزيرة غير ما سبق منها ما يلي:
[ ١٠ / ٨٠ ]
(الفائدة السادسة): رفع الإنسان نفسه من الذل إذا كان بين قوم لئام، كما قيل:
إذا جاورتك الليالي بساقط وقدرك مرفوع فعنه تحول
ألم تر ما لاقاه في جنب جاره كبير أناس في بجاد مزمل
وقيل:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى فما الكد في الدنيا ولا الناس قاسم
وقد خرج النبي - ﷺ - من مكة - شرفها الله تعالى_، وهي أحب البقاع إليه، وهاجر إلى طيبة لما نأى المقام، فكان من أمره ما كان، ثم عاد إليها وفتحها الله عليه. فيستنبط منه مشروعية الانتقال من مكان الضرر.
(الفائدة السابعة):
أن فيه صحة للبدن بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: سَافِرُوا تَصِحُوا، وَاغْزُوا تَسْتَغْنُوا.
(الفائدة الثامنة):
إذا مات بغير مولده كان له عظيم الأجر بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ الثابت في صحيح النسائي) قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: " يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ" قَالُوا وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ.
ورغبنا النبي - ﷺ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة في استحباب الموت في المدينة كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا.
(الفائدة التاسعة):
أن الأعمال التي تفوته بسبب السفر تكتب له وإن لم يعملها، إذا كان العائق لها مجرد السفر، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي موسى ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
(الفائدة العاشرة):
أن المسافر مستجاب الدعوة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
[ ١٠ / ٨١ ]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ.
(٢) معرفة عيوب السفر:
(١) من أجل عيوب السفر فَقْدَ الأحبابِ، وتقطيع الأكباد، وترك المألوف، واقتحام المخوف، ولذا سماه النبي - ﷺ - قطعة من العذاب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ.
قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
السفر قطعة من العذاب: أي جزء منه والمراد بالعذاب الألم الناشىء عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف.
يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ: كأنه فصله عما قبله بيانا لذلك بطريق الاستئناف كالجواب لمن قال كان كذلك فقال يمنع أحدكم نومه الخ أي وجه التشبيه الإشتمال على المشقة.
فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ: بفتح النون وسكون الهاء أي حاجته من وجهه أي من مقصده. أهـ
قال الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر:
ولا معارضة بينه وبين الأحاديث الدالة على مدح السفر، كما ظنه قوم، لاحتمال أن يكون العذاب - وهو التعب والنصب - مبتدأ للصحة والراحة (١).
وقال ابن بطال (٢): "لأن في الحركة والرياضة منفعة لأهل الدعة والرفاهة، كالدواء المر المعقب للصحة، وإن كان في تناوله كراهية".
والنهمة (بكسر النون وسكون الهاء): الحاجة وبلوغ الغرض. قال ابن التين: وضبطناه أيضًا بكسرها. وقوله " فلعجل إلى أهله" أي: يسرع بالرجوع إليهم ليزيل عذابه ويطيب له طعامه وشرابه.
وذكر الخطابي (٣) أن فيه حجة لمن رأى تغريب الزاني بعد جلده. قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: من الآية٢].
_________________
(١) قاله ابن عبد البر: كما في التمهيد (٢٢/ ٣٦)، والاستذكار (٢٧/ ٢٨٢).
(٢) ذكره الحافظ في الفتح (٣/ ٧٣٠)، وقال مثل ذلك ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣٦)، والاستذكار (٢٧/ ٢٨٢).
(٣) ذكره في الفتح (٣/ ٧٣٠).
[ ١٠ / ٨٢ ]
وقال ابن عبد البر (١): "فيه دليل على أن طول التغريب عن الأهل والوطن لغير حاجة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وأن من انقضت حاجته لزمه الاستعجال لأهله".
ذكر السمعاني في "تاريخه"، قال: لما قدم الأستاذ أبو القاسم القشيري بغداد، وعقد له مجلس الوعظ. فروى في أول مجلسه الحديث المشهور: " السفر قطعة من العذاب"، فقام إليه سائل، وقال: لم سمى النبي - ﷺ - السفر قطعة من العذاب؟ فقال: لأنه من فرقة الأحباب. فاضطرب الناس وتواجدوا، وما أمكنه أن يتم المجلس فنزل.
(٢) أنه يورث ضيق الأخلاق:
وقالوا: "لا تعرف صاحبك حتى تعصيه أو تسافر معه". وقالوا: "الحريص والمسافر مريضان لا يعادان". وقال بعضهم يمدح: أفلح بسام وإن طال السفر.
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن علي - ﵁ - قال: "السفر ميزان القوم".
وقيل: "عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك ". وقيل لأعرابي: "ما الغبطة؟ (قال): الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان. قيل: ما الذلة؟، قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان".
وحكي ابن عبد البر: أن الإمام الشافعي خرج في بعض أسفاره فضمه الليل إلى مسجد فبات فيه، وغذا في المسجد قوم يتحدثون، يضربون المنا، وهجر المنطق، فتمثل:
وأنزلني طول النوى دار غربة إذا شئت لاقيت امرؤا لا أشاكله (٢)
وأنشدوا:
وكل غريب سوف يمشي بذلة إذا بات عن أوطانه وجفا الأهلا
وأنشدوا:
وإن اغتراب المرء من غير حاجة ولا فاقة يسموا لها لعجيبُ
وحسب الفتى ذلا، وإن أدرك الغنى (ولو) نال ملكًا، أن يقال غريبُ
ولله درُّ الشافعي حيث يقول:
إن الغريب له مخافة سارق وخضوع مديون وذلة موثق
فإذا تذكر أهله وبلاده ففؤاده كجناح طير خافق (٣)
وكان الحجاج يقول: "لولا فرح الإياب لما عذبت أعدائي إلا بالسفر".
وقيل: "الغربة ذلة فإن أعقبها قلة فهي نفس مضمحلة".
وقال إبقراط: (يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها وعادتها". وقال جالينوس: يستروح العليل إلى تربة أرضه كما تستروح الأرض الجدبة لوابل القطر.
ولله در بن الرؤبي حيث يقول:
وَحَبّبَ أوطان الرجال إليهم مآربُ قضاها الفؤاد هنالكا
_________________
(١) في التمهيد (٢٢/ ٣٦).
(٢) معجم الأدباء (٦/ ٢٤٠٨)، طبعة دار الغرب الإسلامي، ديوان الشافعي (١٠٧).
(٣) ديوانه (٦٩).
[ ١٠ / ٨٣ ]
إذا ذكروا أوطانهم ذكْرتهم عهود الصبا فيها فحنّوا لذالكا
وأراد الحطيئة سفرًا فلما أراد الركوب قالت له زوجته: متى الرجوع؟ فانشد:
عُدّي السنين إذا ارتحلت لرجعتي ودعي الشهور فإنهن قصار
فأنشدته:
أذكر صبابتنا عليك وشوقنا وأرحم بناتك إنهن صغار
فحط رحله ولم يخرج.
قالوا: وقد يكون الأكد مع الكد، والغيبة مع الغَيْبَة كما يقيل:
وما زلت أقطع عرض البلاد من المشرقين إلى المغربين
وأدرع بالخوف تحت الدجا واستصحب الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب العُلا إلى أن رجعت بخفي حنين
وقال امرؤ القيس:
لقد طوّفت في الآفاق حتى قنعت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر:
ألا رُبَّ باغي حاجة لا ينالها وآخر قد تقضي له وهو جالس
وهذا ونحوه قليل من كثير، وإنما الحكم للأغلب. والنجاح مع المطلوب أكثر، والحرمان للعاجز أصحب.
(٣) معرفة حكم السفر:
قال الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر:
اعلم أن السفر مشروع في الجملة، ولكنه ينقسم إلى: طلب وهرب، وكل منهما ينقسم إلى الأحكام الخمسة (١).
(أولًا سفر الهرب):
سفر الهرب ينقسم إلى: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح.
أما الواجب: كالخروج من أرض غلب فيها الحرام، فإن طلب الحلال فريضة على المسلم.
وأما المستحب: فالخروج من أرض غلب فيها البدع إذا لم يقدر على إنكارها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: من الآية٦٨].
وأما الحرام: فالخروج من ارض تعيّن عليه فيها وظيفة كمن يتعين قضاء البلد.
وأما المكروه: فالخروج من أرض وقع فيها الطاعون فرارًا منه، فقد نهى النبي - ﷺ - عن ذلك (٢).
_________________
(١) انظر إحياء علوم الدين (٢/ ٣٨٠ - ٣٨٧)، طبعة دار الحديث، وفيه تفصيل أوسع.
(٢) ثبت الحديث عن عدة من الصحابة منهم:
(٣) أسامة بن زيد، رواه البخاري (٥٧٢٨)، ومسلم (٢٢١٨).
(٤) عبد الرحمن بن عوف. رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) وأبو داود (٣١٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٠٦) وانظر للفائدة: "التمهيد" لابن عبد البر (٦/ ٢١٠ - ٢١٧، ٨/ ٣٦٣ - ٣٧٢) وفتح الباري (١٠/ ١٨٩ - ٢٠٥) وفيها تفاصيل حول هذه المسألة، من أراد ذلك فليراجعهما.
[ ١٠ / ٨٤ ]
وأما المباح: فخروج المريض من الأرض الوخمة إلى النزهة (١)، وقد أذن النبي - ﷺ - في ذلك للرعاء حين استوخموا المدينة (٢).
(ثانيًا سفر الطلب):
سفر الطلب ينقسم أيضًا إلى واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح.
فالواجب: سفر الجهاد والحج وتحصيل القوت، لأن ما لا يتم (الواجب) (٣) إلا به فهو واجب.
والمستحب: السفر لطلب العلم والزيارة والعشرة والرباط (٤).
والحرام: سفر المعاصي (٥).
والمكروه: سفر الاستكثار من المال وغيره.
والمباح: سفر التنزه والتجارة، وكسب الزائد على القوت الذي لا ينتهي به إلى حد الطغيان للغنى.
حكم سفر السياحة:
قال الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر:
وأما سفر السياحة لا لغرض، ولا إلى مكان مقصود فمنهي عنه، وقال الإمام أحمد: ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. ولأن السفر مشتت للقلب، فلا ينبغي للمريد أن يسافر إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به. انتهى.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
_________________
(١) الأرض النزهة: الفسيحة، البعيدة عن الوخم. "فتح الباري" (١٠/ ١٩٩).
(٢) روى الحديث البخاري (٥٧٢٧)، ومسلم (١٦٧١).
(٣) زدتها لأن الكلام لا يصلح إلا بها، ولعلها سقطت سهوًا من الناسخ.
(٤) ليست بهذا الأطلاق. فالسفر لطلب العلم الذي هو من الواجبات يلحق بالواجب لنفس القاعدة المذكورة. وقال - ﷺ -: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه ابن ماجة (٢٢٤) والطبراني في الأوسط (١/ ١٦)، والكبير (١٠/ ٤٢٠)، وهو حديث صحيح مشهور جدًا، بل قال السيوطي: إنه متواتر. وله رسالة جمع فيها طرقه والفاظه وهي مطبوعة بتحقيق على الحلبي. وأما الزيارة فمنها الواجب ومنها المستحب. وأما الرباط فوجوبه في بعض الأحيان أظهر من أن يُستدل عليه.
(٥) وهو من أكثر أنواع السفر في زماننا، خاصة السفر إلى بلاد الكفر لأجل الفساد والفجور والسفر إلى منتجعات الخنا والديانة والعرى والبهيمية، وإلى مأوى الشياطين ومدن اللانسانية الحمقاء. وأن كان السفر لأمر آخر من تجارة أو تطيب أو غير ذلك، فإنه قلما يخلوا من الفساد. والأدلة في تحريم ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر. والله المستعان.
[ ١٠ / ٨٥ ]
(حديث أَبِي أُمَامَةَ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿السائحون﴾ قال: هم طلبة الحديث (١).
(٤) تقديم الاستخارة قبل السفر:
فإن الله تعالى أجرى العادة بسلامة العاقبة عند حصول ذلك، ولقد كان النَّبِيَّ - ﷺ - يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديثُ جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو الشيخ بلفظ:" هم طلبة العلم" ولا فرق كبير بينهما، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٧٥)، والسيوطي في "الدر" (٤/ ٢٩٨). أقول: قد كانت السياحة هكذا سابقًا، أما اليوم!! فالله المستعان.
[ ١٠ / ٨٦ ]
قال ابن الصلاح: ويستحب له أن يكرر الصلاة مع الاستخارة ثلاث مرات (١) ثم ينبغي أن يشاور من يثق بدينه وخيره (٢).
(٥) إذا عزم على السفر فليبدأ بالتوبة من المعاصي:
إذا عزم على السفر فليبدأ بالتوبة من المعاصي: ويخرج من مظالم الخلق، ويقضي ما أمكنه من ديونهم، ويرد الودائع، ثم يتحلل ممن كان بينه وبينه معاملة في شيء، أو مصاحبة، ويكتب وصيته (٣) ويشهد عليه بها، ويوكل من يقضي دينه ما لم يتمكن قضائه، ويترك لأهله ومن يلزمه نفقته نفقتهم ومؤنتهم.
(٦) إرضاء والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته:
فإن منعه الوالد، أو منع الزوج الزوجة، أو صاحب الدين المديون من السفر، فلا يجوز الخروج، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال نعم: قال: ففيهما فجاهد.
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني جئت أريد الجهاد معك أبتغي وجه الله والدار الآخرة ولقد أتيت وإن والدي ليبكيان، قال فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما.
(٧) كراهية الوحدة في السفر:
(حديث ابْنِ عُمَرَ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ.
_________________
(١) ورد في عمل اليوم والليلة لابن السني، مرفوعًا: "الإستخارة سبقًا". قال الحافظ في الفتح (١١/ ١٩١): وسنده واه جدًا أهـ. ولم أعثر على نص في استحباب تكرار الاستخارة ثلاثًا أو أكثر. والله أعلم بالصواب. [ورد تكرار الإستخارة عن السلف، كما فعل عمر في استخارته حول كتابة القرآن، (المجلة)].
(٢) بناءًا على قوله تعالى (آل عمران: ١٥٩): ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وقوله (الشورى: ٣٨): ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
(٣) كتابة الوصية واجبة على القول الصحيح لمن كان له أو عليه حقوق أو واجبات، كما في حديث ابن عمر وغيره.
[ ١٠ / ٨٧ ]
وفي الحديث فوائد: أن النبي ﷺ لم يخبر أمته بما يعلمه من الآفات التي تحدث من جراء سفر الرجل وحده مبالغةً منه في التحذير من التفرد في السفر، وثانيها: أن النهي مخصوصٌ في وقت الليل لا النهار، وثالثها: أن النهي يعم الراكب والراجل، ولعل قوله ﷺ: (ما سار راكب بليلٍ) أنه خرج مخرج الغالب، وإلا فالراجل في معنى الراكب، والله أعلم. وفي النهي عن الوحدة في السفر أيضًا:
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ.
قال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعو إليه، وكذلك الاثنان، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب جماعة وصحب قال: والمنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها (١).
(٨) يستحب له أن يطلب رفيقًا:
يستحب له أن يطلب رفيقًا موافقًا، راغبًا في الخير، كارهًا الشر، إن نسي ذكّره، وإن ذَكَرَ أعانه. وإن تيسر له مع ذلك كونه عالمًا فليتمسك به، فإنه يمنعه بعلمه وعمله، ما يطرأ على المسافرين من مساوئ الأخلاق والضجر، ويعينه على مكارم الأخلاق ويحثه عليها.
أورد الخطيب البغدادي ﵀ في الجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع عن الأوزاعي، قال: "الرفيق بمنزلة الرقعة من الثوب، إذا لم تكن مثله شانته " (٢).
أورد أبو نعيمٍ ﵀ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: "جاء رجل إليه، فقال: إني أريد الحج! قال: فلا تصحب من يكرم عليك، فإن ساويته في النفقة أضر بك، وإن تفضل عليك استذلك".
_________________
(١) . عون المعبود. المجلد الرابع (٧/ ١٩١)
(٢) "الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع" (٢/ ٣٥١ رقم ١٧٧٤)، تحقيق د. محمد عجاج الخطيب.
[ ١٠ / ٨٨ ]
أورد الخرائطي ﵀ في مكارم الأخلاق عن الحسن البصري: "لا تصحب رجلًا يتكرم عليك فيفسد ما بينك وبينه - يعني من السفر". وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إذا سافرتم فاصحبوا ذوي الجود واليسر" (١).
ويستحب في اختيار الرفيق أن يكون الصديق المألوف به لأنه أعون له على مهماته، وأرفق به في أموره. (ثم قال) (٢): يحرص كل منهما على إرضاء رفيقه في جميع طريقه، ويحتمل كل منهما صاحبه، ويرى له فضلًا، وخدمة، ويصبر على ما يقع منه في بعض الأوقات.
(٩) استحباب التأمير في السفر إذا كانوا ثلاثة فأكثر:
نادى الشرع بالاجتماع وعدم التفرق، وحث على ذلك ورغب فيه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ.
ولما كان السفر من الأمور التي يحصل بها الاجتماع والملازمة بين الناس، استحب للقوم المسافرون الذين يبلغون ثلاثة فأكثر أن يؤمروا أحدهم يسوسهم ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وعليهم الطاعة والاتباع ما لم يأمر بمعصية الله، فإن فعلوا ذلك حصل لهم من اجتماع الكلمة، وسلامة الصدور، ما يجعلهم يقضون حاجتهم من سفرهم دون منغصات أو مكدرات تحدث بينهم. وفي حث النبي ﷺ على تأمير الثلاثة في السفر لأحدهم تنبيهٌ منه ﷺ على الاجتماع الأعظم، والله أعلم.
(١٠) يستحب طلب الدعاء والوصية من أهل الخير والصلاح:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي قَالَ عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ.
_________________
(١) وعن معاذ بن جبل موقوفًا: قال: سافر مع ذوي الجود والميسر. أورده الهندي في كنز العمال (١٧٤٩٠) وأشار إلى أنه في مسند الفردوس عن معاذ. وهو في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٨).
(٢) في المخطوطة: "قال ثم" والصواب ما أثبتناه.
[ ١٠ / ٨٩ ]
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي قَالَ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى قَالَ زِدْنِي قَالَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ قَالَ زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ.
(١١) يستحب السفر يوم الخميس:
من هديه ﷺ في أسفاره، أنه كان يحب الخروج في يوم الخميس، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ.
قال النووي ﵀: فإن لم يكن، فيوم الاثنين، لأنه - ﷺ - هاجر من مكة يوم الاثنين.
(١٢) يستحب أن يكون السفر مبكرًا:
(حديث صخر الغامدي الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ.
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن عباس ﵄ قال: ما بعد صلاة الصبح وقت تُقسمُ فيه الأرزاق بين العباد، وهو وقت نشاط النفس، وراحة البدن، وصفاء الخاطر.
(١٣) استحباب التوديع للمسافر:
أولًا: توديع المسافر للمقيم:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَ: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ.
ثانيًا: توديع المقيم للمسافر:
(حديث ابْنَ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعْكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوَدِّعُنَا فَيَقُولُ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
[ ١٠ / ٩٠ ]
(حديث ابن عمر الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَشْخَصَ السَّرَايَا يَقُولُ لِلشَّاخِصِ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
وقوله: (أستودع الله دينك) أي: أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك. (وأمانتك) قال الخطابي: الأمانة ههنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما (١).
قال الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر:
وإنما ذكر الدين مع الوداع لأن السفر موضع خوف وخطر، وقد يصيبه منه المشقة والتعب، فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين. فدعا له بالمعونة، والتوفيق فيهما. وقيل: الأمانة هاهنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي أودعه (٢)، ويستحفظه أمينة ووكيله، ومن في معناه.
قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية:
قال ابن عبد البر: إذا خرج أحدكم في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعلٌ في دعائهم بركة. قال: وقال الشعبي: السنة إذا قدم رجلٌ من سفر أن يأتيه إخوانه فيسلموا عليه، وإذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم (٣).
(١٤) يستحب أن يستكثر من الزاد والنفقة:
يستحب أن يستكثر من الزاد والنفقة ليواسي به المحتاجين، وليكن زاده طيبًا، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: من الآية٢٦٧].
والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء. ويكون طيب النفس بما ينفقه ليكون أقرب إلى قبوله.
(١٥) السنة أن يدعوا إذا خرج من بيته:
(حديث أنس الثابت في صحيحي أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ.
_________________
(١) . عون المعبود بشرح سنن أبي داود. المجلد الرابع (٧/ ١٨٧)
(٢) قال ذلك غير واحد منهم الخطابي في "معالم السنن" (٣/ ٧٦).
(٣) . الآداب الشرعية (١/ ٤٥٠)
[ ١٠ / ٩١ ]
(حديث أم سلمة الثابت في صحيح السنن الأربعة) قَالَتْ
مَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ.
(١٦) ما يقول إذا ركب:
(حديث علي بن ربيعة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا ﵁ وَأُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ.
(١٧) ما يدعو به في سفره:
(حديث ابن عمر الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ
(سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
وعثاء السفر: شدته ومشقته، وأصله من (الوعث) وهو الرمل الدقيق الذي يغوص فيه الرجل ويشتد المشي عليهم. ثم جعل ذلك مما يشق ويؤلم.
[ ١٠ / ٩٢ ]
والكآبة: تغير النفس والانكسار من الحزن والهم. يقال: رجل كئيب، أي: حزين. ونقل كآبة كآبة بتخفيف الهمزة وإسكان الألف (كرأفة ورافة).
والمنقلب: (بفتح اللام): المرجع. ومعناه: أن يرجع من سفره فيجد أهله أصيبوا بمصيبة نسأل الله السلامة.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
الذكر عند علو الثنايا والهبوط من الأودية:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا.
(١٨) استحباب ذكر الله في حال سيره وإقامته:
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن مسعود - ﵁ - قال إن الجبل ليقول للجبل: "يا فلان مر بك اليوم ذاكرًا لله ﷿. فإن قال: نعم، سره ذلك". استبشارًا بذكر الله.
أورد الزركشي ﵀ في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: اذكروا الله في أسفاركم عند كل حجرة وشجرة لعلها تأتي يوم القيامة تشهد لكم (١).
ويستحب الذكر عند كل اضطجاعة، وعند كل شيء، وعند كل حجر ومدر وشجر.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ ﷿ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
تِرَة: أي نقص.
ما يستحب ذكره في السحر للمسافر:
_________________
(١) رواه أحمد في الزهد عن عطاء مرسلًا. وذكره الهندي في الكنز (١٧٦١٨) ونسبه لابن شاهين في "الترغيب" في الذكر. وانظر كشف الخفا للعجلوني (١/ ١١٤ رقم ٣٠٣).
[ ١٠ / ٩٣ ]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ سَمِعَ سَامِعٌ (١) بِحَمْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ.
﴿فائدة﴾: ينبغي للمسافر أن يغتنم سفره، ويدعو لنفسه وآبائه وأهله ومن يحب، وأن يجتهد في ذلك، ويتحرى الدعاء الجامع، مع٠ الإلحاح والخضوع، فللمسافر دعوة مستجابة فلا ينبغي التفريط فيها.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ.
(١٩) دعاء نزول المنزل:
يحتاج المسافر إلى النزول من مركوبه للنوم أو الأكل أو قضاء الحاجة، والبرية فيها من الهوام والسباع والشياطين ما الله به عليم، فكان من نعمة الله علينا أن شرع لنا على لسان نبينا ﷺ، دعاءً نقوله يحفظنا -بإذن الله- من شر كل مخلوق.
(حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ.
وفي الحديث فوائد منها: أن هذا الدعاء يقال عند حلول كل مكان أو النزول فيه وليس مخصوصًا بنزول المسافر من مركوبه.
ومنها: أن كلام الله منه تبارك اسمه وصفة من صفاته ليس بمخلوق، لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق، وعلى هذا جماعة أهل السنة، قاله ابن عبد البر (٢).
_________________
(١) قوله: (سمع سامع) أي: بلغ سامع قولي هذا لغيره، وقال الخطابي: معناه: شهد شاهد على حمدنا لله تعالى على نعمه وحسن بلائه. وقوله: (ربنا صاحبنا وأفضل علينا) أي: احفظنا وحطنا واكلأنا، وأفضل علينا بجزيل نعمك، واصرف عنا كل مكروه. وقوله: (عائذا بالله من النار): منصوب على الحال: أي: أقول هذ في حال استعاذتي واستجارتي بالله من النار. قاله النووي انظر شرح مسلم. المجلد التاسع (١٧/ ٣٤ - ٣٥)
(٢) . التمهيد (٢٤/ ١٨٦)
[ ١٠ / ٩٤ ]
ومنها: أن قائل هذا الدعاء عند النزول محفوظٌ بحفظ الله له، فلا يضره شيء حتى يغادر محله. قال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدبة ليلًا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات (١).
(٢٠) صلاة التطوع في السفر:
من السنن المهجورة، صلاة المسافر التطوع على مركوبه، فقل من تراه يصلي النافلة أو الوتر في الطائرة أو في غيرها من ألآت السفر. ونبينا ﷺ كان يفعل ذلك على راحلته، ولا يلزم تحري القبلة في صلاة النافلة للمسافر إن كان راكبًا لمشقة ذلك، والأفضل أن يستقبل القبلة عند الإحرام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) قاَلَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
ولذا فإنه يستحب للمسافر أن يصلي النافلة والوتر على آلة السفر اقتداءً بنبينا ﷺ.
مسألة: هل يجوز للمسافر أن يصلي الفريضة على الطائرة أو السيارة أو القطار إذا أُضطر لذلك؟ أم يؤخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يؤديها فيها؟ وهل يلزم التوجه إلى القبلة؟
الجواب: أجابت اللجنة الدائمة عن سؤال مماثل فقالت:
إذا كان راكب السيارة أو القطار أو الطائرة أو ذوات الأربع، يخشى على نفسه لو نزل لأداء الفرض ويعلم أنه لو أخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يصلي فيه فات وقتها، فإنه يصلي على قدر استطاعته، لعموم قوله تعالى: (لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
_________________
(١) . فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. ص١٦١. ط: دار اليقين للنشر والتوزيع. (مصر)
[ ١٠ / ٩٥ ]
وأما كونه يصلي أين توجهت المذكورات أم لابد من التوجه إلى القبلة دومًا واستمرارًا أو ابتداءً فقط، فهذا يرجع إلى تمكنه، فإذا كان يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلاة وجب فعل ذلك، لأنه شرط في صحة صلاة الفريضة في السفر والحضر، وإذا كان لا يمكنه في جميعها، فليتق الله ما استطاع، لما سبق من الأدلة (١).
(٢١) ما يقول إذا خاف قومًا:
(حديث أبي موسى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ.
(٢٢) النهي عن اصطحاب الكلب والجرس في السفر:
نهى رسول الله ﷺ عن اصطحاب الكلب والجرس في الأسفار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ.
وسبب النهي عن الجرس لأنها مزامير الشيطان، جاء ذلك مصرحًا عند مسلم.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ.
وأما الكلب فقد أُختلف في سبب النهي عن اصطحابه، فقيل لما كان الكلب منهيًا عن اقتنائه - إلا كلب ماشية أو صيد - عوقب متخذه من بتجنب الملائكة عن صحبته، فحرم من بركتهم واستغفارهم وإعانتهم على طاعة الله، وقيل لكونه نجسًا (٢). والله أعلم.
(٢٣) النهي عن سفر المرأة بدون محرم:
نهى الشرع المطهّر عن سفر المرأة بدون محرم، لما قد يترتب عليه من الفتنة لها ولمن حولها من الرجال. والأحاديث الواردة في ذلك صحيحة لا مجال لتوهينها، ولا تأويلها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا.
_________________
(١) . فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. (٨/ ١٢٣ - ١٢٤) رقم (١٣٧٥)
(٢) . انظر عون المعبود. المجلد الرابع (٧/ ١٦٢)
[ ١٠ / ٩٦ ]
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ.
(حديث عقبة بن عامر الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ.
(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ.
[ ١٠ / ٩٧ ]
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ.
وكما ترى فإن النهي صريحٌ في منع المرأة من السفر مسيرة يوم وليلة بدون محرمٍ لها، زوجها أبوها ابنها أخوها ونحوهم من محارمها. بل إن أمر النبي ﷺ الرجل الذي أُكتتب في الغزو أن يلحق بأهله الذين خرجوا للحج لهو أبلغ دليل على تحريم سفر المرأة بدون محرم.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها (١).
﴿شبهة﴾:: يتردد على ألسنة بعض الناس أن سفر المرأة وحدها في هذا العصر ضرورة لا بد منها، فظروف العصر تقتضي ذلك، ويحتجون بأن الخلوة تنتفي بسفرها بالطائرة أو القطار ونحوهما. وقد يقول قائلهم ما المانع إذا أوصلت زوجتي إلى المطار وتأكدت من ركوبها الطائرة ثم استقبلها أخوها في البلد الآخر؟
والجواب:
أولًا: فتنة النساء من أعظم الفتن التي تبتلى بها الأمم، والنبي ﷺ حذرنا منها وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ.
_________________
(١) . شرح صحيح مسلم. الخامس (٩/ ٩٣)
[ ١٠ / ٩٨ ]
(حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ.
فإذا تُركت المرأة تسرح وتمرح، وتعمل مع الرجال جنبًا إلى جنب، وتتولى المناصب القيادية، فإن ذلك نذيرٌ بأن يصيبنا ما أصاب بني إسرائيل - عياذًا بالله ـ.
ثانيًا: لابد من تقرير حقيقة لا مكابرة فيها وهي أن المرأة ضعيفة سريعة التأثر، سريعة الانجذاب، تحتاج إلى رجلٍ يحميها ويقوم بشئونها (١)، فإذا انضاف إلى ذلك ضعف الإيمان والوازع الديني في قلوب كثير من الرجال، ازداد الأمر خطورةً وعظمت الفتنة. ومن قال إن الخلوة تنتفي بركوب الطائرة ونحوها مما يكون فيه النقل جماعيًا، يردُ عليه أن جلوسها بين الأجانب، ومباشرتها الكلام معهم في قضاء حوائجها فيه ما فيه، فالذين في قلوبهم مرض كثير، وأصحاب العيون الخائنة أكثر، وفوق ذلك لا رقيب عليها - من محارمها - ولا حسيب.
وأما إركابها آلة السفر لوحدها كالطائرة مثلًا واستقبالها في البلد الأخر، فإنه يقال لهذا وأمثاله: ما أدراك لو اضطرت الطائرة إلى النزول في بلد آخر غير المكان المقصود لخلل بها - وهذا يحدث أحيانًا ـ. وأكبر من ذلك لو اضطر المسافرون إلى البقاء يومًا أو يومين في هذا البلد. فأين المحرم؟ ومن سيباشر إجراءات السكن والأكل والشرب؟!.
(٢٤) استحباب الاجتماع عند النزول وعند الأكل:
جعل الله في الاجتماع القوة والعزة والمنعة والبركة، وجعل في التفرق الوهن والضعف وتسلط الأعداء ونزع البركة. والقوم إن كانوا يسافرون جميعًا استحب لهم أن يجتمعوا في مكان نزولهم ومبيتهم، وكذا يجتمعوا على أكلهم لتحصل البركة لهم.
أما الاجتماع عند النزول، فتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
_________________
(١) . حتى وإن انكرت ذلك بعض المسترجلات في هذا الزمن، فإنها تعرف حقيقة نفسها، وتعرف مقدار ضعفها، وهذه سنة الله في خلقه التي لا تبديل لها، ولكنها تخشى أن تتهم بالرجعية والتخلف، فحتى تواكب الحضارة وتصبح كالمرأة الغربية المتحضرة!! لا بد أن تسافر وحدها مثلهم، وتلبس كلبسهم، وتعمل إلى جنب الرجال، وإن لم تفعل ذلك أُتهمت بالتخلف!. رزقنا الله وإياهم لزوم صراطه المستقيم.
[ ١٠ / ٩٩ ]
(حديث أَبُي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا قَالَ عَمْرٌو كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ.
والاجتماع على الطعام تحصل به البركة والزيادة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ.
﴿تنبيه﴾: يستحب التناهد في السفر، والنهد: أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعًا (١).
قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية:
قيل للإمام أحمد: أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره، ولا بأس بالنهد، قد تناهد الصالحون. كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضًا بقدر ما يلقي، يعني في السر (٢).
(٢٥) النوم في السفر:
قد يضطر المسافر على الطرق البرية إلى النوم للراحة من عناء السفر، ولما كان الشرع المطّهر يرشد الناس لما فيه مصلحتهم العاجلة والآجلة؛ كان من جملة ذلك إرشاد المسافر لمكان نومه، حتى لا يؤذى من هوام الأرض ودوابه.
_________________
(١) . انظر الآداب الشرعية (٣/ ١٨٢)
(٢) . الآداب الشرعية (٣/ ١٨٢)
[ ١٠ / ١٠٠ ]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنْ الْأَرْضِ وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ وَإِذَا عَرَّسْتُمْ (١) بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
وهذا أدب من آداب السير والنزل أرشد إليه ﷺ، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وتجد فيها من رمة ونحوها، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر منها ما يؤذيه فينبغي أن يتباعد عن الطريق (٢).
ثم إنه ينبغي على المسافر إذا أراد نومًا، أن يتخذ ما في وسعه من الوسائل التي تُعينه على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وفي زمننا هذا أصبحت تلك الوسائل - ولله الحمد - متيسرة وبأبخس الأثمان. ورسولنا ﷺ كان يحتاط لذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
_________________
(١) . المُعرِّس: الذي يسير نهاره ويعرس أي ينزل أو الليل، وقيل: التعريس النزول في آخر الليل. وعرس المسافر: نزل في وجه السحر وقال غيره: والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم يُنيخون وينامون نومة خفيفة ثم يثورون مع انفجار الصبح. قاله في اللسان. (٦/ ١٣٦) مادة: (عرس).
(٢) . شرح صحيح مسلم. المجلد السابع (١٣/ ٥٩)
[ ١٠ / ١٠١ ]
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى (١) عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيْ بِلَالُ فَقَالَ بِلَالٌ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ قَالَ اقْتَادُوا فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ
(وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)
(٢٦) استحباب رجوع المسافر لأهله بعد قضاء حاجته وعدم الإطالة:
يستحب للمسافر إذا نال مراده من سفره أن يعود سريعًا إلى أهله، ولا يمكث فوق حاجته لحكم سوف يأتي ذكرها. وقد أرشد إلى هذا رسول الله ﷺ، في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ.
قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة (٢).
_________________
(١) الكرى: أي: النعاس أو النوم
(٢) . فتح الباري (٣/ ٧٣٠)
[ ١٠ / ١٠٢ ]
(٢٧) كراهية قدوم المسافر على أهله ليلًا:
(حديث جابر ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا.
(حديث جابر ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ.
﴿تنبيه﴾: ينبغي للمسافر إذا رجع إلى أهله أن لا يدخل عليهم ليلًا، حتى لا يرى ما يكره في أهله من سوء المنظر، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَيْكَ بِالْكَيْسِ الْكَيْسِ.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلًا بغته، فأما من كان سفره قريبًا تتوقع امرأته إتيانه ليلًا فلا بأس كما قال في إحدى الروايات: إذا أطال الرجل الغيبة. وإذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم ووصولهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نهي بسببه فإن المراد أن يتأهبوا وقد حصل ذلك ولم يقدم بغته (١). قلت: ومثله إذا علموا بقدومه عن طريق أجهزة الاتصال ونحوها.
(٢٨) استحباب الصلاة ركعتين في المسجد عند قدوم البلد:
من هديه ﷺ أنه كان إذا قدم من سفر، فإن أول شيءٍ كان يبادر إليه هو الصلاة في المسجد ركعتين.
(حديث كعب بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ.
وهذه من السنن المهجورة، التي قلَّ من يطبقها، فنسألك اللهم اتباعًا لسنة نبيك ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وبالله التوفيق.
(٢٩) تحريم سفر المرأة بدون محرم:
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم.
_________________
(١) . شرح مسلم. المجلد السابع (١٣/ ٦١)
[ ١٠ / ١٠٣ ]
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها.
(٣٠) كَرَاهَيةِ السِّيَاحَةِ إلَى غَيْرِ مَكَان مَعْلُومٍ وَلَا غَرَضٍ مَشْرُوعٍ:
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: السِّيَاحَةُ فِي الْأَرْضِ لَا لِمَقْصُودٍ وَلَا إلَى مَكَان مَعْرُوفٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّينَ وَلَا الصَّالِحِينَ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُشَتِّتُ الْقَلْبَ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ أَنْ يُسَافِرَ إلَّا فِي طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ شَيْخٍ يَقْتَدِي بِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
(حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن رجلا قال: يارسول الله، إئذن لي في السياحة قال النبي ﷺ: "" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله عزوجل.