آداب اللباس:
للباس آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علمًا وأن يتبعها حتى يكون متأسيًا بالنبي - ﷺ -، وهاك آداب اللباس جملةً وتفصيلا:
أولًا آداب اللباس جملةً:
(١) وجوب ستر العورة:
(٢) استحباب لبس البياض:
(٣) استحباب لبس الثياب الطيبة الجميلة:
_________________
(١) . رواه مسلم (٩١٦)، وأحمد (١٠٦١٠)، والترمذي (٩٧٦)، والنسائي (١٨٢٦)،وأبوداود (٣١١٧)، وابن ماجه (١٤٤٥)
(٢) . شرح صحيح مسلم. المجلد الثالث (٦/ ١٨٣)
(٣) الغابرين: أي الباقين.
[ ١٠ / ١٢١ ]
(٤) استحباب لبس القميص:
(٥) استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه:
(٦) استحباب التواضع في الثياب:
(٧) السنة تقصير لباس الرجل، وتطويل لباس المرأة:
(٨) من السنة التيامن في اللباس ونحوه:
(٩) ما يقال عند لبس الجديد:
(١٠) ذم التنعم:
(١١) لبس العمامة:
(١٢) تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال:
(١٣) تحريم جر الثوب خيلاء:
(١٤) تحريم لباس الشهرة:
(١٥) تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان أو تصاوير:
(١٦) تحريم ثياب الكفار:
(١٧) السنة في التنعل:
(١٨) آداب لبس النساء:
ثانيا آداب اللباس تفصيلا:
(١) وجوب ستر العورة:
امتن الله على عباده حيث سترهم بلباس حسيٍ، ثم أرشدهم إلى لباس آخر معنوي أعظم من اللباس الأول، قال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ * يَابَنِيَ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مّنَ الْجَنّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف ٢٦: ٢٧]﴾
قال ابن كثير-في تفسير هذه الآية-: يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والريش ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات (١).
(حديث ابن عباس في صحيح مسلم) قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة وتقول: من يعيرني تِطوافًا؟ تجعله على فرجها. وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: "خذوا زينتكم عند كل مسجد".
والتِطواف (بكسر التاء).
﴿تنبيه﴾: هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان واردًا على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(حديث معاوية بن حيدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قيل: إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل: إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس.
_________________
(١) . تفسير القرآن العظيم. (٢/ ٢١٧) ط. دار الكتب العلمية -بيروت -١٤١٨هـ.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
(احفظ عورتك) صنها عن العيون
(إلا من زوجتك) بالتاء لغة وبدونها جاء القرآن
(أو ما ملكت يمينك) أي والأمة فقد حل لك وطؤها
(قيل إذا كان القوم بعضهم في بعض) كأب وجد وابن وابنة أو المراد المثل لمثله كرجل لرجل وأنثى لأنثى.
(قال إن استطعت أن لا يرينها أحدًا فلا يرينها) أي اجتهد في حفظها ما استطعت وإن دعت ضرورة للكشف جاز بقدرها.
(قيل إذا كان أحدنا خاليًا) أي في خلوة فما حكم ستر عورته حينئذ
(قال الله أحق أن يستحيا منه من الناس ) أي أوجب أن يستحيا منه من الناس، وهو تعالى وإن كان لا يحجبه شيء ويرى المستور كما يرى العاري لكن رعاية الأدب تقتضي الستر.
قال بعض أهل العلم: هذا إشارة إلى مقام المراقبة فإن العبد إذا امتنع عن كشف عورته حياء من الناس فلأن يستحيي من ربه المطلع عليه في كل حال وكل وقت أولى والداعي إلى المراقبة أمور أعظمها الحياء قيل إن إبراهيم بن أدهم صلى قاعدًا ثم مد رجله فهتف به هاتف أهكذا تجالس الملوك فما مدها بعد أبدًا وقال الحكيم من تعرى خاليًا ولم يحتشم فهو عبد قلبه غافل عن الله لم يعلم بأن الله يرى علم اليقين ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه يقنع رأسه عند دخوله الخلاء حياء من الله تعالى وكان عثمان رضي الله تعالى عنه يغتسل في بيت مظلم حتى لا يرى عورة نفسه.
(حديث يعلى في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
(حديث عائشة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: ما من امرأة تضَعُ ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت السترَ بينها وبين الله.
وستر العورة من الآداب العظيمة التي أمر بها الإسلام، بل نُهي الرجال والنساء عن النظر إلى عورات بعضهم لما يترتب عليه من المفاسد، والشريعة جاءت بسد كل باب يفضي إلى الشر. والعورة هي ما يسوء الإنسان إخراجه، والنظر إليه؛ لأنها من العور وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، قاله ابن عثيمين (١).
_________________
(١) . الشرح الممتع (٢/ ١٤٤)
[ ١٠ / ١٢٣ ]
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (١).
(حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ:
أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ قَالَ فَانْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً.
(حديث معاوية بن حيده الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.
وعورة الرجل التي أُمر بسترها - ماعدا عن زوجه وأمته - من السرة إلى الركبة. والمرأة كلها عورة - إلا عن زوجها ـ، وأما محارمها فلهم النظر إلى ما يظهر غالبًا كالوجه، واليدين، والشعر، والرقبة ونحو ذلك. وعورتها مع بنات جنسها من السرة إلى الركبة.
مسألة: هل فخذ الرجل عورة؟
_________________
(١) . أي لا يضطجعان متجردين تحت ثوب واحد. قاله في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.
[ ١٠ / ١٢٤ ]
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن فخذ الرجل عورة، واستدلوا بأحاديث لا يخلو كل منها عن مقال في سنده من عدم اتصاله، أو ضعف في بعض الرواة، لكنها يشد بعضها بعضًا فينهض بمجموعها للاحتجاج به على المطلوب، ومن تلك الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي من حديث جرهد الأسلمي -﵁- قال: مر رسول الله ﷺ وعليَّ بردة وقد انكشفت فخذي فقال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة) حسنه الترمذي (١). وذهب جماعة إلى أن فخذ الرجل ليست عورة، واستدلوا بما رواه أنس -﵁- أن النبي ﷺ حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذه. رواه أحمد والبخاري وقال حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط (٢)، وقول الجمهور أحوط ولأن الأحاديث الأولى نص في الموضوع، وحديث أنس﵁- محتمل (٣).
مسألة ٢: تتعمد بعض النساء لبس بعض الملابس التي تُظهر مفاتنها وزينتها الباطنة، كأن تُظهر ظهرها أو فخذها أو جزء منه، أو تلبسُ ما يشفُ جسدها، أو ضيقًا يبرز مفاتنها. ويحتج بعضهن بأن العورة المأمور بسترها بين النساء تكون من السرة إلى الركبة، وإنهن إنما يلبسن ذلك في مجامع النساء فقط. فما الجواب عن ذلك؟
_________________
(١) . وصحح الألباني رواية أبي داود برقم (٣٣٨٩)
(٢) . انظر صحيح البخاري/ كتاب الصلاة/ باب: ما يذكر في الفخذ.
(٣) . فتوى اللجنة الدائمة رقم (٢٢٥٢) (٦/ ١٦٥ - ١٦٧)
[ ١٠ / ١٢٥ ]
الجواب: لا شك أن عورة المرأة مع المرأة تكون من السرة إلى الركبة، ولكن هذا مشروطٌ بالأمن من الفتنة، وواقع كثير من النساء اليوم أنهن تجاوزن الحد في ستر عوراتهن (١)، بل أدى الحال إلى افتتان بعض النساء ببعض، ولهن في ذلك قصص معلومة علمها من علمها وجهلها من جهلها. وليس مجمع النساء عذرٌ في لبس ما يحلو للمرأة لبسه، بل متى كان داعيًا للفتنة ومحركًا للغرائز فإنه يحرم ولو كان ذلك بين أوساط النساء. وللشيخ ابن عثيمين كلامٌ في لبس الضيق من اللباس، يحسن بنا أن نذكره، فقال (٢): لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم، لأن النبي ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس-يعني ظلمًا وعدوانًا-. ونساء كاسيات عاريات ما ئلات مميلات) (٣). فقد فسر قوله: (كاسيات عاريات) بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة، وفُسر بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة، وفُسرت بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو زوجها فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة لقول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾، وقالت عائشة: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) (٤). فالإنسان بينه وبين زوجته لا عورة بينهما، وأما بين المرأة والمحارم فإنه يجب عليها أن تستر عورتها، والضيق لا يجوز عند المحارم ولا عند النساء إذا كان ضيقًا شديدًا يبين مفاتن المرأة (٥).
_________________
(١) . وأخبارهن لا تسر المؤمن، وننزه أسماعكم وأبصاركم عن إيرادها، ومن أراد معرفة ذلك فليسأل النساء فعندهن الكثير من أخبارهن، والله المستعان.
(٢) . ويقاس عليه الملابس الشفافة، والعارية من باب أولى.
(٣) . رواه مسلم (٢١٢٨)، وأحمد (٨٤٥١)، ومالك (١٦٩٤). وتمامه عند مسلم: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
(٤) . رواه البخاري (٢٦١)، ومسلم (٣١٦) وغيرهما.
(٥) . فتاوي الشيخ محمد بن عثيمين (٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦). ط. دار عالم الكتب - الرياض- الطبعة الأولى ١٤١١هـ
[ ١٠ / ١٢٦ ]
﴿تنبيه﴾: من الأدب مع الله -﷾- أن يستتر الذي يريد غسلًا بشيء يستره ويواريه، وخصوصًا من كان في الأمكنة المكشوفة التي لا يحجبها شيء. فقد روى يعلى﵁- أن رسول الله ﷺ: رأى رجلًا يغتسل بالبراز (١) بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ﷺ: (إن الله ﷿ حيىٌ ستيرٌ يحبُ الحياءَ والسترَ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) (٢). وفي حديث حكيم عن أبيه عن جده قال: ( قلت يا رسول الله: إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: اللهُ أحقُ أن يستحيا منه من الناس) (٣).
(٢) استحباب لبس البياض:
(حديث ابن عباس الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ.
وفي المقابل نهى النبي ﷺ الرجل عن لبس الثوب المعصفر والثوب المشبع بحمرة.
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ (٤) فَقَالَ أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا قُلْتُ أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلْ أَحْرِقْهُمَا.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
قوله: (أأمك أمرتك بهذا) معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، قاله النووي (٥). وقد يكون النهي عن لبس المعصفر لأجل التشبه بالكفار، وهو أولى لما جاء في الحديث: (إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها).
(٣) استحباب لبس الثياب الطيبة الجميلة:
_________________
(١) . البَرازُ، بالفتح: المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع، وإذا خرج الإنسان إلى ذلك الموضع قيل: قد برز يبرز بروزًا، أي خرج إلى البراز. والبراز، بالفتح أيضًا: الموضع الذي ليس به خمرٌ من شجر ولا غيره (لسان العرب ٥/ ٣٠٩) مادة: (برز)
(٢) . رواه أبو داود (٤٠١٢) وصححه الألباني، ورواه أحمد (١٧٥٠٩)، والنسائي (٤٠٦)
(٣) . تقدم تخريجه.
(٤) . المعصفر: ما صبغ بصبغ أصفر اللون. وقال ابن حجر: غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر. (انظر فتح الباري ١٠/ ٣١٨)
(٥) . شرح مسلم. المجلد السابع (١٤/ ٤٥)
[ ١٠ / ١٢٧ ]
(حديث أنس في الصحيحين) قال: كان أحب الثياب إلى النبي - ﷺ - الحِبَرَة.
[الحِبَرَة] بُرْدٌ يماني من قطن، وكانت أفضلَ الثياب عندهم.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ وغَمْطِ الناس.
الشاهد قوله - ﷺ -[جميل يحب الجمال] حين قيل له: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة.
(٤) استحباب لبس القميص:
(حديث أم سلمة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: رضي الله تعالى عنها: كان أحب الثياب إلى النبي - ﷺ - القميص.
(كان أحب الثياب إلى النبي - ﷺ -) من جهة اللبس
(القميص) أي كانت نفسه تميل إلى لبسه أكثر من غيره من نحو رداء أو إزار لأنه أستر منهما وأيسر لاحتياجهما إلى حل وعقد بخلافه فهو أحبها إليه لبسًا والحبرة أحبها إليه رداء فلا تدافع بين حديثيهما.
(٥) استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه:
يستحب لمن آتاه الله مالًا أن يظهر أثر نعمة الله عليه بلبس الجميل من الثياب من غير إسراف ولا مخيلة. ولا يشدد على نفسه، أو يبخل بماله، بل يلبس الجديد والجميل والنظيف من الثياب إظهارًا لنعمة الله عليه.
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ.
(حديث أَبِي الْأَحْوَصِ ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي ثَوْبٍ دُونٍ (١) فَقَالَ أَلَكَ مَالٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ مِنْ أَيِّ الْمَالِ قَالَ قَدْ آتَانِي اللَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ قَالَ فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ.
والناس في هذا الباب طرفان ووسط، فقومٌ شددوا على أنفسهم وقتروا عليها إما دينًا - بزعمهم - أو بخلًا. وقومٌ أفرطوا وجاوزوا الحد فأنفقوا الأموال الكثيرة، في ثيابٍ تُبلى وتخلق. وقومٌ وسط أظهروا نعمة الله عليهم في ملبسهم ومسكنهم من غير إسراف ولا مخيلة.
_________________
(١) . أي رديء أوحقير.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
(٦) استحباب التواضع في الثياب:
(حديث عائشة في الصحيحين) أنها أخرجت كساءًا وإزارًا غليظًا فقالت: قُبِضَ رسول الله - ﷺ - في هذين.
(حديث أبي أُمامةَ في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: البذاذةُ من الإيمان.
(البذاذة) التقشف في الثياب ورثاثة الهيئة وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس إيثارًا للخمول بين الناس.
(من الإيمان) أي من أخلاق أهل الإيمان إن قصد به تواضعًا وزهدًا وكفًا للنفس عن الفخر والتكبر لا إن قصد إظهار الفقر وصيانة المال وإلا فليس من الإيمان من عرَّض النعمة للكفران وأعرض عن شكر المنعم المنان لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
فالحسن والقبح في أشباه هذا بحسب قصد القائم بها إنما الأعمال بالنيات.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
(٧) السنة تقصير لباس الرجل، وتطويل لباس المرأة:
فرَّقت الشريعة المحمدية بين لباس الرجل والمرأة في الطول والقصر، فحدت للرجل ما بين نصف ساقة إلى ما فوق الكعبين، وألزمت المرأة بستر قدميها فلا يظهر منه شيء. وذلك لأن بدن المرأة أو جزء منه فتنة للرجال فأُمرت بستره كله، وأما الرجال فأمروا برفع أثوابهم، كي لا يدخل الكبر والعجب والخيلاء إلى قلوبهم، مع ما في إرخاء الثوب من تنعم ورفاهية لا تتناسب مع طبع الرجال.
والعجيب أن كثيرًا من الناس خالفوا السنة وقلبوا الأمر، فأطال الرجال ثيابهم حتى أصبحت تجر الأرض بل تكنسه!، وقصرت النساء من ثيابهن فبدت سوقهن، ومنهن من تجاوزن ذلك.
والآثار في هذا الباب كثيرةٌ جدًا ومعلومة لخاصة الناس وعامتهم، ولكن منعت الشهوات والهوى المخالفين من اتباع الحق ولزومه، ونذكر ما يحضرنا هنا تذكيرًا للمؤمنين، وزجرًا للعاصين المخالفين -نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة على دينه-.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ.
[ ١٠ / ١٢٩ ]
(حديث أبي ذر الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ يَقُولُ ثَلَاثًا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا.
(حديث أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُرْخِي شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ.
﴿تنبيه﴾: القصد من تطويل ثوب المرأة هو ستر القدمين، فلو كان ثوب المرأة لا يستر قدميها ولبست مع ذلك (شُرابًا) أو نحو ذلك مما يستر جاز. قال ابن عثيمين: فإن ستر قدمي المرأة أمرٌ مشروع بل واجب عند كثير من أهل العلم، فالذي ينبغي للمرأة أن تستر قدميها إما بثوبٍ ضافٍ عليها وإما بلباس شراب أو كنادر أو شبهها (١).
_________________
(١) . فتاوى الشيخ ابن عثيمين. (٢/ ٨٣٨)
[ ١٠ / ١٣٠ ]
﴿تنبيه٢﴾: يحتج بعض الناس بفعل أبي بكر الصديق﵁-، وأن ثوبه كان يسترخي. ولاحجة في ذلك لأحد، بل إن الحجة قائمة عليهم. فعن ابن عمر﵄- أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقَّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال النبي ﷺ: لست ممن يصعنه خيلاء) (١). ونقول للمحتج نُبيح لك إرخاء ثوبك إذا توفرت فيك ثلاثة أمور: أولها: أن يكون أحد شقي إزارك يسترخي وليس من جميع جوانب الثوب. والثاني: أن تتعاهد ثوبك برفعه كلما سقط، كما كان أبو بكر -﵁- يفعل، فيكون ذلك بغير اختيار منك. قال ابن حجر: عند أحمد [أي في رواية عند أحمد]: (إن إزاري يسترخي أحيانًا) [قال]: فكأن شده كان ينحل إذا تحرك بمشي أوغيره بغير اختياره، فإذا كان محافظًا عليه لا يسترخي لأنه كلما كاد يسترخي شده. اهـ (٢). والثالث: أن يشهد لك النبي ﷺ أنك ممن لا يفعله خيلاء!. وهذا الأخير منتفٍ الآن، ولا سبيل إليه.
﴿تنبيه﴾: جر الثوب على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون للخيلاء. وهذا لا ينظر الله إليه يوم القيامة.
الثاني: أن يكون عن قصد وعلى وجه دائم، وليس خيلاء إنما تبعٌ لعادة الناس. فهذا ينطبق عليه قول النبي - ﷺ -: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) (٣).
الثالث: أن يكون لعارض طاريء، ولم يكن فيه خيلاء. وهذا الأخير لا بأس به لوقوعه من النبي ﷺ عندما خسفت الشمس: (فقام يجر ثوبه مستعجلًا حتى أتى المسجد) (٤). قال ابن حجر: فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي اهـ (٥). ولوقوعه من أبي بكر الصديق﵁- كما مر معنا (٦).
(٨) من السنة التيامن في اللباس ونحوه:
والأصل في ذلك حديث عائشة الآتي:
_________________
(١) . رواه البخاري (٥٧٨٤) واللفظ له، ومسلم (٢٠٨٥)، وأحمد (٥٣٢٨)، والترمذي (١٧٣٠)، والنسائي (٥٣٣٥)، وأبو داود (٤٠٨٥)، وابن ماجه (٣٥٦٩)، ومالك (١٦٦٩٦)
(٢) . فتح الباري (١٠/ ٢٦٦)
(٣) .رواه البخاري (٥٧٨٧)،وأحمد (٩٠٦٤)، والنسائي (٥٣٣٠).
(٤) . رواه البخاري (٥٧٨٥)، وأحمد (١٩٨٧٧)، والنسائي (١٥٠٢)
(٥) . فتح الباري (١٠/ ٢٦٧)
(٦) . هذا ملخص ما ذكره الشيخ: محمد بن الصالح العثيمين في شرحه لكتاب اللباس من صحيح البخاري (شريط رقم ٢ وجه أ)
[ ١٠ / ١٣١ ]
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي إنما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه. وأما ما كان بضده كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسرواويل، والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها والله أعلم (١).
(٩) ما يقال عند لبس الجديد:
أُثر عن النبي ﷺ أدعية كان يقولها إذا لبس جديدًا منها:
أ- (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له).
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ.
ب- (الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه).
(حديث معاذ بن أنس الجُهَنِي الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
ويستحب أن يُقال لمن لبس جديدًا:
أ- (البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا):
_________________
(١) . شرح صحيح مسلم. المجلد الثاني (٣/ ١٣١)
[ ١٠ / ١٣٢ ]
(حديث ابن عمر الثابت في صحيح ابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ ثَوْبُكَ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ قَالَ لَا بَلْ غَسِيلٌ قَالَ الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمُتْ شَهِيدًا.
وقوله ﷺ (البس جديدًا): صيغة أمر أريد به الدعاء بأن يرزقه الله الجديد (١).
ب- (تُبْلي ويُخلفُ الله تعالى):
(حديث أمِّ خالدٍ بِنتِ سعيد بن العاصِ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: أُتِيَ بِكسوةٍ فِيهَا خميِصةٌ صغيرةٌ فقالَ: مَنْ ترونَ أحقَّ بهذهِ؟ فسكَتَ القومُ فقالَ: ائتُوني بأمِّ خالدٍ، فأُتِيَ بِهَا، فألْبَسَهَا إيَّاهَا، ثمَّ قالَ: أبْلِي وأَخْلِقِي مرَّتيِن.
قال أبو نضرة في حديث أبي سعيد الخدري-السابق-: فكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له: تُبْلي ويُخْلفٌ اللهُ تعالى (٢).
﴿تنبيه﴾: يجب أن نستحضر سنة النبي ﷺ في التيامن، وهنا يستحب تقديم الجهة اليمنى عند اللبس واليسرى عند النزع.
(١٠) ذم التنعم:
(حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
) إياك والتنعم فإن عباد اللّه ليسوا بالمتنعمين) لأن التنعم بالمباح وإن كان جائزًا لكنه يوجب الأنس به ثم إن هذا محمول على المبالغة في التنعم والمداومة على قصده.
(١١) لبس العمامة:
(حديث جابر في صحيح الترمذي) قال دخل النبي - ﷺ - مكة يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء.
(حديث ابن عمر في صحيح الترمذي) قال: كان النبي - ﷺ - إذا أعتم سدَلَ عِمامته بين كتفيه.
(١٢) تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال:
وفيه وعيدٌ شديد، ولعن من الرسول ﷺ أكيد، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث ابن عباس في صحيح البخاري) قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.
_________________
(١) . شرح ابن ماجه للسندي ()
(٢) . رواه أبو داود (٤٠٢٠) وهو تتمة لحديث أبي سعيد الخدري الذي سبق ذكره.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
﴿تنبيه﴾: والتشبه قد يكون في اللباس، وقد يكون في الكلام، وقد يكون في المشي ونحو ذلك. فمتى تعاطى الرجل ما هو من خصائص النساء في مشيهن أو كلامهن أو لبسهن فقد دخل في اللعن، أو متى تعاطت المرأة ما هو من خصائص الرجل في مشيهم أو كلامهم أو لباسهم فقد دخلت في اللعن.
مسألة: هل يدخل في الذم واللعن إذا كان ذلك التشبه من أصل الخلقة؟
الجواب:
قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين (١).
(١٣) تحريم جر الثوب خيلاء:
توعد الله من جر ثوبه تكبرًا وترفعًا أن لا ينظر إليه في يومٍ هو أحوج ما يكون فيه إلى رب العالمين، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ (٢) إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
والأحاديث كما ترى مصرحةٌ بتحريم جر الثوب تكبرًا وترفعًا على الناس، وذلك لأن التكبر من صفات الله -﷿- وهي صفة كمال له -سبحانه-، ولا ينبغي لمخلوق أن يكون هذا شأنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
_________________
(١) . فتح الباري (١٠/ ٣٤٥)
(٢) . الجمة: بالضم: مجتمع الرأس وهي أكثر من الوفرة. وفي الحديث: كان لرسول الله ﷺ جُمةٌ جعدةٌ؛ الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين. (لسان العرب ١٢/ ١٠٧) مادة (جمم)
[ ١٠ / ١٣٤ ]
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ.
(حديث علي الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الِعزَ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءَ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا عَذَّبْتُهُ.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
ومعنى (ينازعني): يتخلق بذلك فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيدٌ شديد في الكبر مصرح بتحريمه (١).
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان.
﴿تنبيه﴾: الثوب الحسن نفيسًا أو غير نفيس، لا يُعد من الكبر الذي تُوعد صاحبه، والذم يقع على من قام في قلبه الكبر، وتبخترَ وبطرَ معجبًا بنفسه وهيئته فهذا المذموم.
قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرًا لها شاكرًا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النفاسة. ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود: (أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) (٢)، (٣).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
ويستنبط من سياق الأحاديث (٤) أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه (٥).
(١٤) تحريم لباس الشهرة:
يتسابق كثيرٌ من الناس - وخصوصًا النساء - إلى ارتداء الملابس النفيسة بُغية أن يرفع الناس أبصارهم إليها، واشتهارها بينهم، مع الترفع والاختيال والتكبر عليهم، وهذا فعلٌ مذموم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
_________________
(١) . شرح صحيح مسلم. المجلد الثامن (١٦/ ١٤٨ - ١٤٩)
(٢) . رواه مسلم (٩١)، وأحمد (٣٧٧٩)
(٣) . فتح الباري (١٠/ ٢٧١)
(٤) . يريد بذلك الأحاديث التي وردت فيمن جر ثوبه خيلاء.
(٥) . فتح الباري (١٠/ ٢٧١)
[ ١٠ / ١٣٥ ]
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا.
قال ابن الأثير: الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر [و] قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره ويلبسه الله يوم القيامة ثوبًا يشتهر مذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل وقوله: (ثوب مذلة) أي ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة، والمراد به ثوب يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوبًا يتعزز به على الناس ويترفع عليهم، قاله في عون المعبود (١).
(من لبس ثوب شهرة) الشهرة ظهور الشيء في شنعة بحيث يشتهر به
(ألبسه اللّه يوم القيامة ثوب مذلة) ثوب مذلة أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن في ذلك الجمع الأعظم بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره.
(ثم يلهب فيه النار) عقوبة له بنقيض فعله والجزاء من جنس العمل فأذله اللّه كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
﴿تنبيه﴾: ثوب الشهر ليس مختصًا بنفيس الثياب، بل كل ثوب - ولو كان حقيرًا - ولكنه يؤدي إلى الشهرة، وكان غرض اللابس اشتهار ذلك بين الناس فهو ثوب شهرة، كمن يلبس رديء الثياب وحقيرها ليعتقد الناس فيه الزهد والورع وما أشبه ذلك. قال ابن تيمية: وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة، والمنخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين، المترفع والمتخفض، وفي الحديث: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة). وخيار الأمور أوساطها (٢).
(١٥) تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان أو تصاوير:
والمقصود بالصلبان ما فيها صورة الصليب، والمقصود بالصور التي فيها الروح. ولقد أنكر النبي ﷺ على عائشة -أم المؤمنين -﵂- عندما اتخذت له وسادة فيها صورة من ذوات الأرواح.
_________________
(١) . بشرح سنن أبي داود. المجلد السادس (١١/ ٥٠ - ٥١) بتصرف يسير.
(٢) . الفتاوى (٢٢/ ١٣٨)
[ ١٠ / ١٣٦ ]
(حديث عَائِشَةَ ﵂ الثابت في الصحيحين) أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَقُلْتُ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ
؟ قُلْتُ لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ.
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
قال العلماء: سبب امتناعهم [أي الملائكة] من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى (١).
(حديث عَائِشَةَ ﵂ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ.
مما سبق يتضح لنا جليًا تحريم لبس ما فيه تصاوير من ذوات الأرواح أو الصلبان، ومن أُبتلي بشيءٍ من ذلك فليتق الله وليطمسها ويغير من حالها، ثم إن شاء فليتخذها وينتفع بها، كما فعلت عائشة -﵂- وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عَائِشَةَ ﵂ الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ وَقَالَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
مسألة: هل تصح صلاة من صلى بلباس فيه تصاوير أو صلبان؟
_________________
(١) . شرح مسلم. المجلد السابع (١٤/ ٦٩)
[ ١٠ / ١٣٧ ]
الجواب: قالت اللجنة الدائمة في إحدى فتاويها: لا يجوز له أن يصلي في ملابس فيها صور ذوات الأرواح من إنسان أو طيور أو أنعام أو غيرها من ذوات الأرواح، ولا يجوز للمسلم لبسها في غير الصلاة، وتصح صلاة من صلى في ثوب فيه صور مع الإثم في حق من علم الحكم الشرعي [وفي جواب آخر عن لبس الساعة أم صليب قالت:] لا يجوز لبس الساعة أم صيلب لا في الصلاة ولا غيرها حتى يزال الصليب بحك أو بوية تستره، لكن لو صلى وهي عليه فصلاته صحيحة. والواجب عليه البدار بإزالة الصليب؛ لأنه من شعار النصارى، ولا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم (١).
(١٦) تحريم ثياب الكفار:
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) قال: رأى رسول الله - ﷺ - عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها، قلت أغسلها؟ قال: لا أحرقها.
(حديث ابن عمر في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: من تشبه بقوم فهو منهم
(من تشبه بقوم) أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن.
(فهو منهم) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا الحديث أقل أحواله التحريم.
(١٧) السنة في التنعل:
أن تُدخل الرجل اليمنى أولًا ثم تليها اليسرى، وعند خلعهما اليسرى أولًا ثم اليمنى، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ لِيَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ.
وكُره للمسلم أن يمشي في نعل واحدة، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا.
_________________
(١) . فتاوي اللجنة الدائمة رقم (٥٦١١) (٦/ ١٧٩)، ورقم (٢٦١٥) (٦/ ١٨٣)
[ ١٠ / ١٣٨ ]
وليعلم أن جميع ما ذكر على وجه الاستحباب لا الوجوب، فمن عرض له عارض أو انقطع نعله أو خفه فليقف حتى يصلح نعله أو يخلع الأخرى ويكمل سيره، ولا ينبغي لمؤمن أن يخالف نهي النبي ﷺ ولو كان الأمر كراهة لا تصل إلى التحريم، فليعود المرء نفسه على سلوك هدي النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا، لينال شرف الاتباع الحقيقي. ثم اعلم أن العلماء ذكروا عللًا لنهي النبي ﷺ عن المشي في نعل واحدة. قال النووي: قال العلماء: وسببه أن ذلك تشويه ومثلة ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيتعسر مشيه وربما كان سببًا للعثار (١) وغير ذلك.
مسألة: ما هي علة النهي عن المشي في نعلٍ واحدة؟
العلة لأنها مشية الشيطان بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي النَّعْلَ الْوَاحِدَةِ.
﴿تنبيه﴾: من السنة الاحتفاء - أحيانًا - أي المشي حافيًا.
(حديث فضالة بن عبيد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا.
وفي الاحتفاء كسرٌ لما اعتاده المرء من التنعم الحاصل بالمداومة على التنعل.
(١٨) آداب لبس النساء:
فصل الخطاب في آداب لبس النساء يكون في ارتياد الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى عليهن ستراُ لهنّ وحفاظًا عليهنّ.
وإليك بعض فضائل الحجاب الشرعي:
(١) الحجاب طاعةٌ لله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وقد أوجب الله تعالى طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -:
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلًا مّبِينًا) [سورة: الأحزاب - الآية: ٣٦]
الشاهد قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ]
فأعلم الله تعالى أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله.
_________________
(١) . شرح صحيح مسلم. المجلد السابع (١٤/ ٦٢)
[ ١٠ / ١٣٩ ]
وقد أمر الله تعالى بالحجاب فقال تعالى: (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة: النور - الآية: ٣١]
الشاهد قوله تعالى [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ]
(وليضربن بخمرهن على جيوبهن) أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع، والخُمُر جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة، والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص،
قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت جيوبهن من قدام واسعة.
وقال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٩]
(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ تسليما أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بأن يدنين عليهم من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء والجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة (ذلك أدنى) أقرب إلى (أن يعرفن) بأنهن حرائر (فلا يؤذين) بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن فكان المنافقون يتعرضون لهن (وكان الله غفورا) لما سلف منهن لترك الستر (رحيما) بهن إذ سترهن
(٢) الحجاب إيمان:
[ ١٠ / ١٤٠ ]
لأن الله تعالى لم يخاطب به إلا المؤمنات لقوله تعالى (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ) [سورة: النور - الآية: ٣١]
وقال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٩]
(٣) الحجاب طهارة:
قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ ً) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٣]
الشاهد قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ ً) [الأحزاب / ٥٣]
فبين الله تعالى أن الحجاب طهارةٌ لقلوب المؤمنين والمؤمنات.
وآية الحجاب هذه مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال وافقت ربي ﷿ في ثلات قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي "وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن فأنزل الله آية الحجاب وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن "فنزلت كذلك.
(٤) الحجاب عفة:
لقوله تعالى يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٩]
الشاهد قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ) أي ذلك أحرى أن يعرفن بأنهن عفيفات بلبسهن الحجاب، (فَلاَ يُؤْذَيْنَ) أي لا يتعرضُ لهن الفساق بأذى من قولٍ أو فعل.
(٥) الحجاب ستر:
قال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: ٢٦]
[ ١٠ / ١٤١ ]
[*] قال عبد الرحمن بن أسلم: يتقي فيواري عورته، فذاك لباس التقوى، ولذلك تجد وظيفة اللباس عند من لا يتقون الله تعالى ولا يستحون منه كعامة الغربيين مثلًا لا يتجاوز غاية الزينة والرياش، وأما المؤمنون المتقون فإنهم يحرصون على اللباس أولًا لستر العورة التي يستحي من إظهارها ثم بعد ذلك لهم سعة في إظهار الزينة والتجمل.
(حديث يعلى بن أمية في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - ﷺ - قال: إن الله حييٌ سِتِّير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
[*] شروط الحجاب الشرعي:
للحجاب الشرعي شروطٌ ثمانية هي:
(١) استيعاب جميع البدن حتى الوجه على الراجح
(٢) أن لا يكون زينةً في نفسه
(٣) أن يكون صفيقًا لا يشف
(٤) أن يكون فضفاضًا لا يصف.
(٥) أن لا يكون مُبخرًا مطيبًا
(٦) أن لا يشبه لباس الرجل
(٧) أن لا يشبه لباس الكافرات
(٨) أن لا يكون لباس شهرة
وإليك تفصيل ذلك:
[الشرط الأول] استيعاب جميع البدن حتى الوجه على الراجح
قال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا) [سورة: الأحزاب - الآية: ٥٩]
الشاهد قوله تعالى [يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ]
والجلباب: ثوبٌ أكبر من الخمار تستر به جميع بدنها حتى وجهها إلا ما ترى به الطريق.
﴿تنبيه﴾: ممن قال أن المقصود بقوله تعالى [يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ] هو ستر جميع البدن حتى الوجه إلا ما ترى به الطريق جملةٌ من الأئمة منهم الإمام الطبري والقرطبي وابن كثير والرازي والزمخشري والنسفي وابن حبان، وجلال الدين المحليّ وجلال الدين السيوطي والشنقيطي وعبد الرحمن بن ناصر السعدي وغيرهم.
وقال تعالى: (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ)
الشاهد قوله تعالى [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ]
[*] قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [الخُمُر] التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لا بسها إلا العينان.
[ ١٠ / ١٤٢ ]
(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان.
الشاهد قوله - ﷺ -[المرأة عورة] وهوقولٌ عام يشمل جميع البدن حتى وجهها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كل شيءٍ منها عورة حتى ظفرها.
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القُفازين)
الشاهد قوله - ﷺ -[ولا تنتقب المرأة المحرمة] هذا دليلٌ واضح على لبس النقاب في غير الإحرام لأنه من محظورات الإحرام.
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: يا رسول اللّه فكيف تصنع النساء بذيولهن قال: يرخين شبرًا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فترخيه ذراعًا لا يزدن عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى: في الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه معلوم عند نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين اتفاقا، وعليه فيجب ستر الوجه من باب أولى.
[الشرط الثاني] أن لا يكون زينةً في نفسه
لقوله تعالى: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ)
[النور /٣١]
[*] قال العلامة الألباني حفظه الله تعالى: المقصود من الأمر بالجلباب سترُ زينة المرأة فلا يعقل حينئذٍ أن يكون الجلباب نفسه زينة.
[الشرط الثالث]: أن يكون صفيقًا لا يشف:
وذلك لأن الستر لا يتحقق إلا بالصفيق، أما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنةً وزينة
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا.
الشاهد قوله - ﷺ -[ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا]
(ونساء كاسيات) في الحقيقة
(عاريات) في المعنى لأنهن يلبسن ثيابًا رقاقًا يصف البشرة، يسترن بعض بدنهن ويكشفن بعضه إظهارًا للجمال
[ ١٠ / ١٤٣ ]
(مائلاتٌ مميلاتٌ) مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وأكفالهن، أو مائلات للرجال مميلات قلوبهم إلى الفساد بهم بما يبدين من زينتهن.
(رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي يُعَظِّمْنَ رؤوسهن بالخُمُرِ والعمائم التي يلففنها على رؤوسهن حتى تشبه أسنمة الإبل
(لا يدخلن الجنة) مع الفائزين السابقين أو مطلقًا إن استحللن.
[الشرط الرابع]: أن يكون فضفاضًا لا يصف.
وذلك لأن الغرض من الثياب رفع الفتنة، واللباسُ الضيقة يحصل بها الفتنة لأنها وإن كانت تستر لون البشرة إلا أنها تصف حجم الجسم أو بعضه.
(حديث أسامة بن زيد في المسند) قال: كساني رسول الله - ﷺ - قُبطيةً كثيفةً مما أهداها له دحيةُ الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القُبطية؟ قلت كسوتها امرأتي. فقال: مُرْها فلتجعل تحتها غِلاله فإني أخافُ أن تصف حجم عِظامها.
[الشرط الخامس أن لا يكون مبخرًا]:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة.
(أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) فيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال.
(حديث أبي موسى في صحيح النسائي) أن النبي - ﷺ - قال: أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية.
(أيما امرأة استعطرت) أي استعملت العطر أي الطيب يعني ما يظهر ريحه منه
(ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها) أي بقصد ذلك
(فهي زانية) أي كالزانية في حصول الإثم وإن تفاوت لأن فاعل السبب كفاعل المسبب قال الطيبي: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا بالزنا مبالغة وتهديدًا وتشديدًا عليها
(وكل عين زانية) أي كل عين نظرت إلى محرم من امرأة أو رجل فقد حصل لها حظها من الزنا إذ هو حظها منه وأخذ بعض المالكية من الحديث حرمة التلذذ بشم طيب أجنبية لأن اللّه إذا حرم شيئًا زجرت الشريعة عما يضارعه مضارعة قريبة وقد بالغ بعض السلف في ذلك حتى كان ابن عمر ﵁ ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت عنه حتى يبرد.
[الشرط السادس أن لا يشبه لبس الرجل]:
(حديث ابن عباس في صحيح البخاري) قال لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
[الشرط السابع أن لا يشبه لبس الكافرات]:
[ ١٠ / ١٤٤ ]
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) قال: رأى رسول الله - ﷺ - عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها، قلت أغسلها؟ قال: لا أحرقها.
(حديث ابن عمر في صحيح أبي داود) أن النبي - ﷺ - قال: من تشبه بقوم فهو منهم.
(من تشبه بقوم) أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن
(فهو منهم) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا الحديث أقل أحواله التحريم
[الشرط الثامن أن لا يكون لبس شهرة]:
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: من لبس ثوبَ شُهْرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مَذَلةٍ ثم يُلْهِبُ فيه النار.
(من لبس ثوب شهرة) الشهرة ظهور الشيء في شنعة بحيث يشتهر به.
(ألبسه اللّه يوم القيامة ثوب مذلة) ثوب مذلة أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن في ذلك الجمع الأعظم بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره.
(ثم يلهب فيه النار) عقوبة له بنقيض فعله والجزاء من جنس العمل فأذله اللّه كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
﴿تنبيه﴾:وجدير بنا هنا أن نلفت النظر إلى تعريف التبرج ثم ذكر مساوئ التبرج حتى تجتنبه المؤمنات وتحترز منه وتفرُ منه فرارها من الأسد فإنه من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، ومن صفات الجاهلية الأولى التي أتى الإسلام لتطهير النفوس من دنسها.
التبرج هو إظهار الزينة وإبراز المرأة لمحاسنها،
وهاك بعض مساوئ التبرج والعياذ بالله:
(١) التبرج من صفات أهل النار:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا.
الشاهد قوله - ﷺ -[ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا]
(ونساء كاسيات) في الحقيقة
[ ١٠ / ١٤٥ ]
(عاريات) في المعنى لأنهن يلبسن ثيابًا رقاقًا يصف البشرة، يسترن بعض بدنهن ويكشفن بعضه إظهارًا للجمال
(مائلاتٌ مميلاتٌ) مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وأكفالهن، أو مائلات للرجال مميلات قلوبهم إلى الفساد بهم بما يبدين من زينتهن.
(رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي يُعَظِّمْنَ رؤوسهن بالخُمُرِ والعمائم التي يلففنها على رؤوسهن حتى تشبه أسنمة الإبل
(لا يدخلن الجنة) مع الفائزين السابقين أو مطلقًا إن استحللن.
(ولا يجدن ريحها) أي الجنة
(وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) كناية عن خمسمائة عام أي يوجد من مسيرة خمسمائة عام كما جاء مفسرًا في رواية أخرى.
(٢) التبرج جاهليةٌ منتنة:
قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ) [سورة: الأحزاب - الآية: ٣٣]
الشاهد قوله تعالى: [وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ]
(ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال.
(حديث ابن عباس في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلْحِدٌ في الحرم ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ بغير حق ليهريق دمه.
الشاهد قوله - ﷺ -[ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية]
(مبتغ) طالب
(في الإسلام) أي في دينه
(سنة الجاهلية) أي إحياء طريقة الجاهلية، ومنها التبرج والعياذ بالله.
[*] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
[سنة الجاهلية]: اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه.
(٣) التبرج معصيةٌ لله ورسوله:
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول اللّه؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى.
(كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) بفتح الهمزة والموحدة بامتناعه عن قبول الدعوى أو بتركه الطاعة التي هي سبب لدخولها لأن من ترك ما هو سبب شيء لا يوجد بغيره فقد أبى أي امتنع.
(من أطاعني) أي انقاد وأذعن لما جئت به
(دخل الجنة) وفاز بنعيمها الأبدي، بين أن إسناد الامتناع عن الدخول إليهم مجاز عن الامتناع لسببه وهو عصيانه بقوله
(ومن عصاني) بعدم التصديق أو بفعل المنهي
(فقد أبى) فله سوء المنقلب بإبائه والموصوف بالإباء إن كان كافرا لا يدخل الجنة أصلا أو مسلمًا لم يدخلها مع السابقين الأولين.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
والمعنى: من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة ومن اتبع هواه وزل عن الصواب وخل عن الطريق المستقيم دخل النار.
(٤) التبرج هلاكٌ مُحَقق بنص السنة الصحيحة:
(حديث فضالة بن عبيد في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - ﷺ - قال: ثلاثةٌ لا تسأل عنهم: رجلٌ فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصيًا، وأمةٌ أوعبدٌ أبق فمات، وامرأةٌ غاب عنها زوجها فتبرجَّت بعده، فلا تسأل عنهم.
معنى لا تسأل عنهم: أي لا تسأل عن هلكتهم أي هلاكهم محقق، ومن بينهم المرأة المتبرحة.