مسألة: ما هي آداب قراءة القرآن؟
[ ٩ / ١٣٠ ]
[*] (بيَّن الإمام النووي رحمه الله تعالى آداب قراءة القرآن في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن فقال:
(١) ينبغي له أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإنه يراه فعليه أن يطرد الشواغل عن نفسه أثناء هذه المناجاة
(٢) ينظف فاه بالسواك فإنه مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب:
(حديث عائشة في صحيح النسائي) أن النبي - ﷺ - قال: السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب.
(٣) يستحب له أن يقرأ القرآن على طهارة فإن قرأ محدثًا جاز بإجماع المسلمين
(٤) يستحب أن تكون القراءة في موضعٍ نظيف ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة ومحصلًا لفضيلةٍ أخرى هي فضيلة الاعتكاف فإنه ينبغي لكلِ جالس في المسجد أن ينويه سواء كثر جلوسه أو قل، وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره ويعرفه الصغير والكبير فإنه مما يغفل عنه.
(٥) يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضرًا عظمةَ من يناجيه خاشعًا متذللًا بين يدي الله تعالى، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز:
قال تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ربنا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿آل عمران/١٩١،١٩٠﴾
(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله على كل أحواله.
(٦) ويجب على القارئ إذا أراد الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم
لقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ﴿النحل/٩٨﴾
وكان جماعة من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم
(٧) ينبغي له أن يحافظ على قراءة البسملة في أولِ كل سورة سوى سورة براءة.
(٨) إذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر وطرد الشواغل عن ذهنه:
قال تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لوجدوا فيه اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴿النساء/٨٢﴾
وقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ﴿محمد /٢٤﴾
[ ٩ / ١٣١ ]
وقال تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ) ﴿ص/٢٩﴾
﴿تنبيه﴾: (كان النبي - ﷺ - يهتم اهتمامًا بالغًا بتدبر القرآن وكان أحيانًا لا يزال يردد آيةً حتى يصبح
(حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي - ﷺ - بآيةٍ يرددها حتى أصبح، والآية قال تعالى: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة / ١١٨]
*وقد تأسى أصحاب النبي - ﷺ - به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) ﴿الجاثية/٢١)
(٩) البكاء عند قراءة القرآن فإن ذلك سمة عباد الله الصالحين:
قال تعالى (وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) ﴿الإسراء /١٠٩﴾
وقال تعالى (إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمَنِ خَرّواْ سُجّدًا وَبُكِيًّا) ﴿مريم/٥٨﴾
*وصلى عمر بن الخطاب بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته.
*وعن أبي الرجاء قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتحت عينيه مثلُ الشراك البالي من الدموع.
وقدم أناسٌ من اليمن على أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه فجعلوا يقرؤن القرآن ويبكون فقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه: هكذا كنا.
(١٠) استحباب ترتيل القرآن:
امتثالًا لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) ﴿المزمل /٤﴾
(حديث عبد الله بن المغفل في الصحيحين) قال رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورةَ الفتح فرجَّع في قراءته)
(حديث أم سلمة في صحيح الترمذي) قالت كان رسول الله - ﷺ - يقطع قراءته آية آية: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف.
١١) يكره الإفراط في السرعة في قراءة القرآن لأنها لا تسمح بالتدبر:
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن رجلًا قال له لقد قرأت المفصل في ركعة فقال هذا كهزِ الشعر إن قومًا يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
*المقصود بقوله (كهز الشعر): كانت عادتهم في إنشاد الشعر السرعة المفرطة.
[ ٩ / ١٣٢ ]
«حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن) أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة.
(١٢) يستحب له أن لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا استجار:
(حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار.
(١٣) احترام القرآن:
إن احترام القرآن من الأمور التي قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين، فيجب اجتناب الضحك واللغط (اختلاط الأصوات) والحديث خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ) ﴿الأعراف/٢٠٤﴾
[*] وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه.
ويجب كذلك اجتناب العبث بين يديه فإنه يناجي الله تعالى، وكذا يجب اجتناب النظر إلى ما يلهي القلب
(١٤) يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف لأن الله تعالى جعل هذا الترتيب لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها، فينبغي له أن يحافظ على هذه الحكمة إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الفجر يوم الجمعة فإنه يقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان وكذلك سنة الفجر فإنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص
قيل لابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا قال: ذلك منكس القلب.
(١٥) استحباب قراءة القرآن مجتمعين:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.
(١٦) كراهية الاختلاف في كتاب الله تعالى:
(حديث جندب ابن عبد الله في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا
[ ٩ / ١٣٣ ]
(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلًا قرأ آيةً سمعت من النبي - ﷺ - خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله - ﷺ - فقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
(١٧) استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها على التفصيل الآتي:
(إذا خاف على نفسه الرياء أو العجب والعياذ بالله كان الإسرار في حقه أفضل وعيه يحمل الحديث (حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة.
معنى الحديث: أن المسرَّ بالقرآن أفضل لكي يأمن من العجب المحبط للعمل والعياذ بالله، وهذا محمول على من خاف على نفسه ذلك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: بلغني أن العبد يعمل العمل سرًا فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء.
(أما إذا لم يخف على نفسه الرياء والعجب فالجهر في حقه أفضل لأن نفعه متعدي، والمنفعة المتعدية أفضل من المنفعة اللازمة لأنه برفع صوته يوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه وعليه الأحاديث الآتية
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به
(١٨) استحباب تحسين الصوت بالقرآن:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال له: لقد أُتيت مزمارًا من مزامير آل داود. (حديث البراء في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - ﷺ - قال زينوا القرآن.
(حديث البراء في الصحيحين) قال سمعت رسول الله - ﷺ - قرأ في العشاء (والتين والزيتون) فما سمعت أحدًا أحسن صوتً منه.
﴿تنبيه﴾: (بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتًا بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله.
[ ٩ / ١٣٤ ]
يستحب طلب القراءة الطيبة من إنسان حسن الصوت:
(حديث ابن مسعود في لصحيحين) قال، قال لي رسول الله - ﷺ -: اقرأ علي القرآن. فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
(١٩) تحريم الجدال في القرآن بغير حق:
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - ﷺ - قال: المراء في القرآن كفر.
﴿تنبيه﴾: (المقصود بالمراء هنا الجدال المشكك في القرآن والعياذ بالله تعالى من ذلك، وقيل الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها
(٢٠) استحباب دعاء ختم القرآن:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: يستحب الدعاء عقب ختم القرآن استحبابًا متأكدًا، وكان عبد الله بن ا لمبارك إذا ختم القرآن أكثر دعائه للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
﴿تنبيه﴾: لم يذكر الإمام النووي فذلك دليلًا، وربما يستدلُ له بالحديث الآتي
(حديث عمران بن حصين في صحيح الترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس.