وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيمَا كُلِّفَ مِنْ عِبَادَاتِهِ ثَلاَثَ أَحْوَالٍ:
(إحْدَاهَا: أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فِيهَا وَلاَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.
(وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا.
(وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا الْحَالُ الأولى: فَهِيَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى حَالِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَلاَ زِيَادَةِ تَطَوُّعٍ عَلَى رَاتِبَتِهَا. فَهِيَ أَوْسَطُ الأحوال وَأَعْدَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَيُذَمُّ، وَلاَ تَكْثِيرٌ فَيَعْجَزُ.
[ ٩ / ١٨٠ ]
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - ﷺ - قال: إن الدين يسر ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا. فَلاَ يَخْلُو حَالَ تَقْصِيرِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: إحْدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَعْجَزَهُ عَنْهُ، أَوْ مَرَضٍ أَضْعَفَهُ عَنْ أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ. فَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْمُقَصِّرِينَ، وَيَلْحَقُ بِأَحْوَالِ الْعَامِلِينَ، لِاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ عَلَى سُقُوطِ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعَجْزِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث أبي موسى ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اغْتِرَارًا بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ، وَرَجَاءَ الْعَفْوِ عَنْهُ. فَهَذَا مَخْدُوعُ الْعَقْلِ مَغْرُورٌ بِالْجَهْلِ، فَقَدْ جَعَلَ الظَّنَّ ذُخْرًا وَالرَّجَاءَ عُدَّةٌ. فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ سَفَرًا بِغَيْرِ زَادٍ ظَنًّا بِأَنَّهُ سَيَجِدُهُ فِي الْمَفَاوِزِ الْجَدْبَةِ فَيُفْضِي بِهِ الظَّنُّ إلَى الْهَلَكَةِ، وَهَلاَ كَانَ الْحَذَرُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ. وَحُكِيَ أَنَّ إسْرَائِيلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي قَالَ: لَقِيَنِي مَجْنُونٌ كَانَ فِي الْخَرَابَاتِ فَقَالَ: يَا إسْرَائِيلُ خَفْ اللَّهَ خَوْفًا يَشْغَلُك عَنْ الرَّجَاءِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَشْغَلُك عَنْ الْخَوْفِ، وَفِرَّ إلَى اللَّهِ وَلاَ تَفِرَّ مِنْهُ.
(وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ﵀: ألا تَبْكِي؟ فَقَالَ: تِلْكَ حِلْيَةُ الآمَنِينَ.
[ ٩ / ١٨١ ]
وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَازِمٍ الأعْرَجَ أَخْبَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْمُذْنِبَيْنِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ.
فلا ينبغي للإنسان أن يَرْجُو الآخرة بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الأمل.
وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ ﵀: أَخَافُ عَلَى الْمُحْسِنِ الْمُتَّقِي وَأَرْجُو لِذِي الْهَفَوَاتِ الْمُسِي فَذَلِكَ خَوْفِي عَلَى مُحْسِنٍ فَكَيْفَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي عَلَى أَنَّ ذَا الزَّيْغِ قَدْ يَسْتَفِيقُ وَيَسْتَأْنِفُ الزَّيْغَ قَلْبُ التَّقِيّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ لِيَسْتَوْفِيَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ بَعْدُ فَيَبْدَأُ بِالسَّيِّئَةِ فِي التَّقْصِيرِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ فِي الاسْتِيفَاءِ اغْتِرَارًا بالأمل فِي إمْهَالِهِ، وَرَجَاءً لِتَلاَفِي مَا أَسْلَفَ مِنْ تَقْصِيرِهِ وَإِخْلاَلِهِ، فَلاَ يَنْتَهِي بِهِ الأمل إلَى غَايَةٍ، وَلاَ يُفْضِي بِهِ إلَى نِهَايَةٍ؛ لِأَنَّ الأمل هُوَ فِي ثَانِي حَالٍ، كَهُوَ فِي أَوَّلِ حَالٍ.
فَإِذًا يُفْضِي بِهِ الأملُ إلَى الْفَوْتِ مِنْ غَيْرِ دَرَكٍ، وَيُؤَدِّيهِ الرَّجَاءُ إلَى الإهْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَلاَفٍ، فَيَصِيرُ الأمَلُ خَيْبَةً وَالرَّجَاءُ إيَاسًا.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - ﷺ - قال: صلاحُ أولِ هذه الأمة بالزهد واليقين، وُيُهْلَكُ آخرها بالبخل والأمل.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀ قَالَ: مَا أَطَالَ عَبْدٌ الأمَلَ، إلا أَسَاءَ الْعَمَلَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ بِالْبَصْرَةِ: أَلَكَ حَاجَةٌ بِبَغْدَادَ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَبْسُطَ أَمَلِي إلَى أَنْ تَذْهَبَ إلَى بَغْدَادَ وَتَجِيءَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْجَاهِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى أَمَلِهِ، وَالْعَاقِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى عَمَلِهِ.
[ ٩ / ١٨٢ ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَانَ: دَخَلْت عَلَى الْمَأْمُونِ وَكُنْت يَوْمَئِذٍ وَزِيرَهُ فَرَأَيْته قَائِمًا وَبِيَدِهِ رُقْعَةٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرَأْت مَا فِيهَا؟ فَقُلْت: هِيَ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَرَمَى بِهَا إلَيَّ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: إنَّك فِي دَارٍ لَهَا مُدَّةٌ يُقْبَلُ فِيهَا عَمَلُ الْعَامِلِ أَمَا تَرَى الْمَوْتَ مُحِيطًا بِهَا قَطَعَ فِيهَا أَمَلَ الآمِلِ تَعْجَلُ بِالذَّنْبِ لِمَا تَشْتَهِي وَتَأْمُلُ التَّوْبَةَ مِنْ قَابِلِ وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَعْدَ ذَا بَغْتَةً مَا ذَاكَ فِعْلُ الْحَازِمِ الْعَاقِلِ فَلَمَّا قَرَأْتهَا قَالَ الْمَأْمُونُ رحمه الله تعالى: هَذَا مِنْ أَحْكَمِ شَعْرٍ قَرَأْته.
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الأعْرَجُ: نَحْنُ لاَ نُرِيدُ أَنْ نَمُوتَ حَتَّى نَتُوبَ، وَنَحْنُ لاَ نَتُوبُ حَتَّى نَمُوتَ.
(وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اسْتِثْقَالا لِلِاسْتِيفَاءِ، وَزُهْدًا فِي التَّمَامِ، وَاقْتِصَارًا عَلَى مَا سَنَحَ، وَقِلَّةَ اكْتِرَاثٍ فِيمَا بَقِيَ. فَهَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ وَقَصَّرَ فِيهِ غَيْرَ قَادِحٍ فِي فَرْضٍ، وَلاَ مَانِعٍ مِنْ عِبَادَةٍ، كَمَنْ اقْتَصَرَ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى فِعْلِ وَاجِبَاتِهَا، وَعَمَلِ مُفْتَرَضَاتِهَا، وَأَخَلَّ بِمَسْنُونَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا. فَهَذَا مُسِيءٌ فِيمَا تَرَكَ إسَاءَةَ مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ وَعِيدًا وَلاَ يَسْتَوْجِبُ عِتَابًا؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ يُسْقِطُ عَنْهُ الْعِقَابَ، وَإِخْلاَلَهُ بِالْمَسْنُونِ يَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ الثَّوَابِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ تَهَاوَنَ بِالدِّينِ هَانَ، وَمَنْ غَالَبَ الْحَقَّ لاَنَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ، لَكِنْ لاَ يَقْدَحُ تَرْكُ مَا بَقِيَ فِيمَا مَضَى كَمَنْ أَكْمَلَ عِبَادَاتٍ وَأَخَلَّ بِغَيْرِهَا. فَهَذَا أَسْوَأُ حَالا مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ الْوَعِيدِ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ الْعِقَابِ.
[ ٩ / ١٨٣ ]
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ وَهُوَ قَادِحٌ فِيمَا عَمِلَ مِنْهَا كَالْعِبَادَةِ الَّتِي يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَيَكُونُ الْمُقَصِّرُ فِي بَعْضِهَا تَارِكًا لِجَمِيعِهَا فَلاَ يُحْتَسَبُ لَهُ مَا عَمِلَ لِإِخْلاَلِهِ بِمَا بَقِيَ. فَهَذَا أَسْوَأُ أَحْوَالِ الْمُقَصِّرِينَ وَحَالُهُ لاَحِقَةٌ بِأَحْوَالِ التَّارِكِينَ، بَلْ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لاَ يُسْقِطُ فَرْضًا وَلاَ يُؤَدِّي حَقًّا. فَقَدْ سَاوَى التَّارِكِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ فِي تَكَلُّفِ مَا لاَ يُفِيدُ. فَصَارَ مِنْ الأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ.
ثُمَّ لَعَلَّهُ لاَ يَفْطِنُ لِشَأْنِهِ، وَلاَ يَشْعُرُ بِخُسْرَانِهِ، وَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخرة، وَيَفْطِنُ لِلْيَسِيرِ مِنْ مَالِهِ إنْ وَهَى وَاخْتَلَّ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِيمَا كُلِّفَ. فَهَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ رِيَاءً لِلنَّاظِرِينَ، وَتَصَنُّعًا لِلْمَخْلُوقَيْنِ، حَتَّى يَسْتَعْطِفَ بِهِ الْقُلُوبَ النَّافِرَةَ، وَيَخْدَعَ بِهِ الْعُقُولَ الْوَاهِيَةَ، فَيَتَبَهْرَجَ بِالصُّلَحَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَيَتَدَلَّسَ فِي الأخيار وَهُوَ ضِدُّهُمْ.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي - ﷺ - قال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
يُرِيدُ بِالْمُتَشَبِّعِ بِمَا لاَ يَمْلِكُ الْمُتَزَيِّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ هُوَ الَّذِي يَلْبَسُ ثِيَابَ الصُّلَحَاءِ، فَهُوَ بِرِيَائِهِ مَحْرُومُ الاجْرِ، مَذْمُومُ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُؤْجَرَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَخْفَى رِيَاؤُهُ عَلَى النَّاسِ فَيُحْمَدَ بِهِ.
[ ٩ / ١٨٤ ]
وقال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) (الكهف /١١٠)
قَالَ جَمِيعُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أَيْ لاَ يُرَائِي بِعَمَلِهِ أَحَدًا، فَجَعَلَ الرِّيَاءَ شِرْكًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى مَقْصُودًا بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديثُ أبي هريرةَ الثابت صحيح مسلم): أن النبي - ﷺ - قال - قال الله تعالى ـ: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملًا أشركَ فيه معي غيري تركته وَشِرْكَه.
«حديثُ جندب ابن عبد الله الثابت في الصحيحين): أن النبي - ﷺ - قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
«حديثُ أبي أُمامة الثابت في صحيح النسائي): أن النبي - ﷺ - قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصًا وابتُغيَ به وَجهُهُ.
«حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - ﷺ - قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقالَ هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار.
[ ٩ / ١٨٥ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله تعالى، فِي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِك وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾. قَالَ: لاَ تَجْهَرْ بِهَا رِيَاءً، وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا حَيَاءً.
وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ﵀ يَتَأَوَّلُ قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. أَنَّ الْعَدْلَ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلاَنِيَةِ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، والإحسان أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلاَنِيَتِهِ، وَالْفَحْشَاءَ وَالْمُنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عَلاَنِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ. وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: الْعَدْلُ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إلا اللَّهُ، والإحسان الصَّبْرُ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَإِيتَاءُ ذِي الْقُرْبَى صِلَةُ الأرْحَامِ، وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ يَعْنِي الزِّنَا، وَالْمُنْكَرِ الْقَبَائِحَ، وَالْبَغْيِ الْكِبْرَ وَالظُّلْمِ. وَلَيْسَ يَخْرُجُ الرِّيَاءُ بِالأعْمَالِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقَبَائِحِ.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ َقَالَ: «لاَ تَعْمَلْ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ رِيَاءً وَلاَ تَتْرُكْهُ حَيَاءً».
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ حَسَنَةٍ لَمْ يُرَدْ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَتُهَا قُبْحُ الرِّيَاءِ، وَثَمَرَتُهَا سُوءُ الْجَزَاءِ. أهـ
[ ٩ / ١٨٦ ]
﴿تنبيه﴾: (وَرُبَّمَا سَاعَدَ النَّاسَ مَعَ ظُهُورِ رِيَائِهِ عَلَى الاسْتِهْزَاءِ بِنَفْسِهِ، كَاَلَّذِي حُكِيَ أَنَّ زَاهِدًا نَظَرَ إلَى رَجُلٍ فِي وَجْهِهِ سَجَّادَةٌ كَبِيرَةٌ وَاقِفًا عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا الدِّرْهَمِ بَيْنَ عَيْنَيْك وَأَنْتَ وَاقِفٌ هَهُنَا؟ فَقَالَ: إنَّهُ ضُرِبَ عَلَى غَيْرِ السِّكَّةِ. وَهَذَا مِنْ أَجْوِبَةِ الْخَلاَعَةِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا تَهْجِينَ الْمَذَمَّةَ. وَلَقَدْ اسْتَحْسَنَ النَّاسُ مِنْ الاشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَوْلَهُ، وَقَدْ خَفَّفَ صَلاَتَهُ مَرَّةً، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ: خَفَّفْت صَلاَتَك جِدًّا. فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهَا رِيَاءٌ. فَتَخَلَّصَ مِنْ تَنْقِيصِهِمْ بِنَفْيِ الرِّيَاءِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرَفْعِ التَّصَنُّعِ فِي صَلاَتِهِ. وَقَدْ كَانَ النِّكَارُ لَوْلاَ ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ وَاللُّوَّمُ لاَحِقًا بِهِ. وَمَرَّ أَبُو أُمَامَةَ بِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَنْتَ لَوْ كَانَ هَذَا فِي بَيْتِك. فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مِنْهُ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالرِّيَاءِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ صَارَ الرِّيَاءُ أَغْلَبَ صِفَاتِهِ، وَأَشْهَرَ سِمَاتِهِ، مَعَ أَنَّهُ آثِمٌ فِيمَا عَمِلَ، أَنَمُّ مِنْ هُبُوبِ النَّسِيمِ بِمَا حَمَلَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَفْضَلُ الزُّهْدِ إخْفَاءُ الزُّهْدِ.
وَرُبَّمَا أَحَسَّ ذُو الْفَضْلِ مِنْ نَفْسِهِ مَيْلًا إلَى الْمُرَاءَاةِ، فَبَعَثَهُ الْفَضْلُ عَلَى هَتْكِ مَا نَازَعَتْهُ النَّفْسُ مِنْ الْمُرَاءَاةِ فَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي فَضْلِهِ، كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَحَسَّ عَلَى الْمِنْبَرِ بِرِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي قَدْ مَثَلْت بَيْنَ أَنْ أَخَافَكُمْ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ أَنْ أَخَافَ اللَّهَ فِيكُمْ، فَكَانَ أَنْ أَخَافَ اللَّهَ فِيكُمْ أَحَبَّ إلَيَّ إلا وَإِنِّي قَدْ فَسَوْتُ، وَهَا أَنَا نَازِلٌ أُعِيدُ الْوُضُوءَ. فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ زَجْرًا لِنَفْسِهِ لِتَكُفَّ عَنْ نِزَاعِهَا إلَى مِثْلِهِ.
[ ٩ / ١٨٧ ]
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: عِظْنِي فَقَالَ: لاَ أَرْضَى نَفْسِي لَك وَاعِظًا؛ لِأَنِّي أَجْلِسُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَأَمِيلُ عَلَى الْفَقِيرِ وَأُوَسِّعُ لِلْغَنِيِّ، وَلِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمَلِ لِوَجْهِهِ لاَ لِغَيْرِهِ.
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا أَرَادُوا سَفَرًا فَحَادُوا عَنْ الطَّرِيقِ، فَانْتَهَوْا إلَى رَاهِبٍ فَقَالُوا: قَدْ ضَلَلْنَا، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ؟ فَقَالَ: هَهُنَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى السَّمَاءِ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ الزِّيَادَةَ اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ. وَهَذَا قَدْ تُثْمِرُهُ مُجَالَسَةُ الأخيار الأفاضل، وَتُحْدِثُهُ مُكَاثَرَةُ الأتْقِيَاءِ الأمَاثِلِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - ﷺ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
فَإِذَا كَاثَرَهُمْ الْمُجَالِسَ، وَطَاوَلَهُمْ الْمُؤَانِسَ، أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَيَتَأَسَّى بِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْهُمْ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ دُونَهُمْ، فَتَبْعَثُهُ الْمُنَافَسَةُ عَلَى مُسَاوَاتِهِمْ، وَرُبَمَا دَعَتْهُ الْحَمِيَّةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمُكَاثَرَةِ لَهُمْ فَيَصِيرُوا سَبَبًا لِسَعَادَتِهِ، وَبَاعِثًا عَلَى اسْتِزَادَتِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَوْلاَ الْوِئَامُ لَهَلَكَ الأنَامُ. أَيْ لَوْلاَ أَنَّ النَّاسَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَقْتَدِي بِهِمْ فِي الْخَيْرِ لَهَلَكُوا.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مِنْ خَيْرِ الاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الأخْيَارِ، وَمِنْ شَرِّ الاخْتِيَارِ مَوَدَّةُ الأشْرَارِ. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُصَاحَبَةِ تَأْثِيرًا فِي اكْتِسَابِ الأخْلاَقِ، فَتَصْلُحُ أَخْلاَقُ الْمَرْءِ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الصَّلاَحِ وَتَفْسُدُ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ.
[ ٩ / ١٨٨ ]
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ الزِّيَادَةَ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ الْتِمَاسًا لِثَوَابِهَا وَرَغْبَةً فِي الزُّلْفَةِ بِهَا.
فَهَذَا مِنْ نَتَائِجِ النَّفْسِ الزَّاكِيَةِ، وَدَوَاعِي الرَّغْبَةِ الْوَافِيَةِ، الدَّالَيْنِ عَلَى خُلُوصِ الدِّينِ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْعَامِلِينَ، وَأَعْلَى مَنَازِلِ الْعَابِدِينَ. وَقَدْ قِيلَ: النَّاسُ فِي الْخَيْرِ أَرْبَعَةٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ ابْتِدَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ اقْتِدَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهُ اسْتِحْسَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهُ حِرْمَانًا. فَمَنْ فَعَلَهُ ابْتِدَاءً فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمَنْ فَعَلَهُ اقْتِدَاءً فَهُوَ حَكِيمٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ اسْتِحْسَانًا فَهُوَ رَدِيءٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ حِرْمَانًا فَهُوَ شَقِيٌّ. ثُمَّ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِدًا فِيهَا، وَقَادِرًا عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهَا. فَهِيَ أَفْضَلُ الْحَالَتَيْنِ، وَأَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ. عَلَيْهَا انْقَرَضَ أَخْيَارُ السَّلَفِ، وَتَتَبَّعَهُمْ فِيهَا فُضَلاَءُ الْخَلَفِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث عائشة الثابت في الصحيحين) كانت عندي امرأةٌ من بني أسد فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فقال من هذه؟ قلت فلانة لا تنام من الليل - تذكر من صلاتها - فقال مَهْ؟ عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل الله حتى تملوا.
مَهْ: كلمة نهي وزجر بمعنى ما هذا؟
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: الْقَصْدُ وَالدَّوَامُ وَأَنْتَ السَّابِقُ الْجَوَادُ. وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ صَحِيحَ الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسَرَّةٌ إلا فِي طَاعَتِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْت لِرَاهِبٍ: مَتَى عِيدُكُمْ؟ قَالَ: كُلُّ يَوْمٍ لاَ أَعْصِي اللَّهَ فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ. اُنْظُرْ إلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَقَاصِدِ الطَّاعَةِ مَا أَبْلَغَهُ فِي حُبِّ الطَّاعَةِ، وَأَحَثَّهُ عَلَى بَذْلِ الاسْتِطَاعَةِ.
[ ٩ / ١٨٩ ]
وَخَرَجَ بَعْضُ الزُّهَّادِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي هَيْئَةٍ رَثَّةٍ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ النَّاسُ مُتَزَيِّنُونَ؟ فَقَالَ: مَا يُتَزَيَّنُ لِلَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ طَاعَتِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا اسْتِكْثَارَ مَنْ لاَ يَنْهَضُ بِدَوَامِهَا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى اتِّصَالِهَا. فَهَذَا رُبَّمَا كَانَ بِالْمُقَصِّرِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الاسْتِكْثَارَ مِنْ الزِّيَادَةِ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ أَدَاءِ اللاَزِمِ فَلاَ يَكُونُ إلا تَقْصِيرًا؛ لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِزِيَادَةٍ أَحْدَثَتْ نَقْصًا، وَبِنَفْلٍ مَنَعَ فَرْضًا. وَإِمَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْ اسْتِدَامَةِ الزِّيَادَةِ وَيَمْنَعَ مِنْ مُلاَزَمَةِ الاسْتِكْثَارِ مِنْ غَيْرِ إخْلاَلٍ بِلاَزِمٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِي فَرْضٍ. فَهِيَ إذًا قَصِيرَةُ الْمَدَى قَلِيلَةُ اللُّبْثِ، وَالْقَلِيلُ الْعَمَلِ فِي طَوِيلِ الزَّمَانِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تعالى مِنْ كَثِيرِ الْعَمَلِ فِي قَصِيرِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ الْعَمَلِ فِي الزَّمَانِ الْقَصِيرِ قَدْ يَعْمَلُ زَمَانًا وَيَتْرُكُ زَمَانًا فَرُبَّمَا صَارَ فِي زَمَانِ تَرْكِهِ لاَهِيًا أَوْ سَاهِيًا. وَالْمُقَلِّلُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ مُسْتَيْقِظُ الأفْكَارِ، مُسْتَدِيمُ التَّذْكَارِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
«حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - ﷺ - قال: لكل عمل شِرَّة ولكل شرةٍ فَتْرَة فمن كانت فَتْرَتُه إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فَتْرَتُه إلى غير ذلك فقد هلك.
فَجَعَلَ الاسْلاَمَ شِرَّةً وَهِيَ الإيغَالُ فِي الإكْثَارِ، وَجَعَلَ لِلشِّرَّةِ فَتْرَةً وَهِيَ الإهْمَالُ بَعْدَ الاسْتِكْثَارِ. فَلَمْ يَخْلُ بِمَا أَثْبَتَ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَقْصِيرًا أَوْ إخْلالا وَلاَ خَيْرَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.