ينقسم العقل إلى قسمين: غريزي ومكتسب.
(فالغريزي هو العقل الحقيقي.
وله حد يتعلق به التكليف لا يجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان.
وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سمي عاقلًا وخرج به إلى حد الكمال، كما قال صالح بن عبد القدوس: إذا تم عقل المرء تمت أموره وتمت أمانيه وتم بناؤه.
(وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة. وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل.
(حكى الأصمعي ﵀ قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحة وملاحة: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم، وأنت أحمق؟ قال: لا والله. قال: فقلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي.
فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه، واستنبط بجودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سنا، وأكثر تجربة. وأحسن من هذا الذكاء والفطنة
(حكى ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد الله.
فقال له عمر ﵁: ما لك؟ لم لا تهرب مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقا فأوسع لك.
فانظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنة وحسن البديهة.
[ ٩ / ٢٤ ]
كيف نفى عنه اللوم، وأثبت له الحجة فليس للذكاء غاية، ولا لجودة القريحة نهاية.
«قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
وَاعْلَمْ أَنَّ بِالْعَقْلِ تُعْرَفُ حَقَائِقُ الأمُورِ وَيُفْصَلُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَقَدْ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: غَرِيزِيٍّ وَمُكْتَسَبٍ. فَالْغَرِيزِيُّ هُوَ الْعَقْلُ الْحَقِيقِيُّ. وَلَهُ حَدٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ لاَ يُجَاوِزُهُ إلَى زِيَادَةٍ وَلاَ يَقْصُرُ عَنْهُ إلَى نُقْصَانٍ. وَبِهِ يَمْتَازُ الإنْسَانُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا تَمَّ فِي الإنْسَانِ سُمِّيَ عَاقِلًا وَخَرَجَ بِهِ إلَى حَدِّ الْكَمَالِ كَمَا قَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: «إذَا تَمَّ عَقْلُ الْمَرْءِ تَمَّتْ أُمُورُهُ وَتَمَّتْ أَمَانِيهِ وَتَمَّ بِنَاؤُهُ» وَرَوَى الضَّحَّاكُ فِي قوله تعالى: ﴿لِيُنْذَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] أَيْ مَنْ كَانَ عَاقِلًا.