(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
اعْلَمْ أَنَّ الادَابَ مَعَ اخْتِلاَفِهَا بِتَنَقُّلِ الأحْوَالِ وَتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا، وَلاَ يُقْدَرُ عَلَى حَصْرِهَا، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ كُلُّ إنْسَانٍ مَا بَلَغَهُ الْوُسْعُ مِنْ آدَابِ زَمَانِهِ، وَاسْتَحْسَنَ بِالْعُرْفِ مِنْ عَادَاتِ دَهْرِهِ، وَلَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَكَانَ الأوَّلُ قَدْ أَغْنَى الثَّانِيَ عَنْهَا، وَالْمُتَقَدِّمُ قَدْ كَفَى الْمُتَأَخِّرَ تَكَلُّفَهَا، وَإِنَّمَا حَظُّ الاخِيرِ أَنْ يَتَعَانَى حِفْظَ الشَّارِدِ وَجَمْعَ الْمُفْتَرِقِ. ثُمَّ يَعْرِضَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى حُكْمِ زَمَانِهِ، وَعَادَاتِ وَقْتِهِ، فَيُثْبِتَ مَا كَانَ مُوَافِقًا، وَيَنْفِيَ مَا كَانَ مُخَالِفًا، ثُمَّ يَسْتَمِدَّ خَاطِرَهُ فِي اسْتِنْبَاطِ زِيَادَةٍ وَاسْتِخْرَاجِ فَائِدَةٍ فَإِنْ أَسْعَفَ بِشَيْءٍ فَازَ بِدَرَكِهِ، وَحَظِيَ بِفَضِيلَتِهِ، ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا كَانَ مَأْلُوفًا مِنْ كَلاَمِ الْوَقْتِ وَعُرْفِ أَهْلِهِ فَإِنَّ لِأَهْلِ كُلِّ وَقْتٍ فِي الْكَلاَمِ عَادَةً تُؤْلَفُ، وَعِبَارَةً تُعْرَفُ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَسْبَقَ إلَى الافْهَامِ.