حكم تعلم العلم على التفصيل الآتي:
(١) فرض عين: وهو ما يتعين وجوبه على الشخص، وعليه يحمل الحديث الآتي
(حديث أنس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.
وهذا العلم هو علم التوحيد لأن التوحيد مقدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل.، وهو كذلك ما لا بد منه لصحة العبادات كعلم الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة.
(٢) فرض كفاية:
وهو التوسع في العلوم ودقائقها ومباحثها ويدخل في هذا النوع كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب فإنه ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب فإنه ضروري في قسمة المواريث والوصايا وغيرهم.
(ماذا نعني بالعلم، وكيف يطلب؟
مسألة: ماذا نعني بالعلم، وكيف يطلب؟
حين نقول العلم، فإنما نريد أن تعلم الأمة، كل الأمة، جميع الأمة، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، حكامًا ومحكومين، فكل أفراد الأمة على التعيين عليهم
[ ٩ / ٦٩ ]
أنْ يعرفوا الله: الله جل وعلا الذي يعبدونه، الله الذي استسلموا له بالإسلام، أن يعرفوا الله. من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة.
وأن يعرفوا رسوله: فيعرفوه معرفة حقيقية؛ ليتبعوه، وليحبوه، وليوالوه، وليقتدوا ويتأسوا به، ولا يتركوا شيئًا من سنته وعمله إلا عملوه. وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللوسائل حكم المقاصد.
وتدبر في (حديث أنس الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - ﷺ - قال: طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.
وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله ﷿، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى، ويليه العلم؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك، وتصحح عملك، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه، ومن تصحيح عمله.
[*] (والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس:
١) فمن كان قادرًا على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم، ودراسة العلوم عليهم، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة.
٢) ومن لم يكن قادرًا على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله، ويصحح بها إيمانه ..
قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]
وقال - ﷺ - " فإنَّما شفاء العي السؤال " وهو ثابت في صحيح أبي داوود عن جابر رضي الله تعالى عنه.
وقد سلك أصحاب رسول الله - ﷺ - كلا المسلكين، كلٌ على قدر طاقته، وعلى قدر إمكاناته، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله - ﷺ -، ومن لم يسمعه من فمه - ﷺ - يسمعه عمن سمعه منه - ﷺ -، وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه ﷺ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
[ ٩ / ٧٠ ]
(حديث بن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) عن عمر قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ﷺ -، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال، كانوا يأتون رسول الله - ﷺ - من كل حدب وصوب يسألون عن الضروري من أمور دينهم، فيجيبهم - ﷺ - بأوجز وأبلغ عبارة، فيفهمون المراد، ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم، يبادرون إلى العمل.
فهذا رجل من ثقيف يأتي بعد أن امتن الله على قبيلته فدخلت في الإسلام لكن ذلك كان في فترة متأخرة، فيرغب في الخير الذي حصَّله من سبقه، فيسأل النبي سؤالًا جامعًا، ويجيبه النبي بإجابة بليغة وجيزة.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - وفي رواية "غيرك " - قال: قل آمنت بالله فاستقم وهو ثابت في صحيح مسلم.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرحون بمجيء أحد من الأطراف، خاصة إذا كان من البادية؛ لأنهم كانوا يسألون رسول الله - ﷺ - عن مسائل كان الصحابة يتهيبون من سؤاله ﷺ عنها.
ولذلك قال أنس: كنا نهاب أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، وكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نستمع. (١)
وذلك بعد أن أنزل الله تعالى قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة/١٠١]
بل وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله - ﷺ -، وتعلم أمور الدين منه - ﷺ -، فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة، سألته بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء، وأما في غير ذلك فيسألنه - ﷺ -، ويحرصن على تلقي العلم منه.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن امرأة سألت النبي - ﷺ - عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل. قال خذي ِفرصةٍ من مسكٍ فتطهري بها. قالت كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها. قالت كيف؟ قال سبحان الله تطهري بها. فاجتبذتها إليَّ فقلت تتبعي بها أثر الدم.
[ ٩ / ٧١ ]
وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء.
[*] فقالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
فهذه طريقتهم في طلب العلم وحرصهم عليه وحسن سؤالهم عن شئونهم الحقيقية، وتوصيفهم الصحيح لواقعهم بعد فهمهم الدين، فلم يكونوا يفترضون الأمثلة، ولا يطرحون الأمثلة للترف العلمي والفكري، فتعلموا ونقلوا الدين بأمانة، فوصلنا الدين من خلال هؤلاء الصحابة العلماء الأجلاء كاملًا مكملًا، فلا تجد ثغرة في ديننا ولا مسألة إلا وعندك منها علمًا، فجزى الله رسوله - ﷺ - عنَّا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وجزى صحابته خير الجزاء، وإنما أعرضوا عمَّا لا ينفع، وهذا ما علمه لهم رسول الله ﷺ: لما جاءه رجل يقول: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها. اليوم أنت - أخي طالب العلم - من هؤلاء، وكيف تطلب؟ وعمَّ تسأل؟ وفيم تبحث؟!!!