«قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
وَأَمَّا الْهَوَى فَهُوَ عَنْ الْخَيْرِ صَادٌّ، وَلِلْعَقْلِ مُضَادٌّ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ مِنْ الأخْلاَقِ قَبَائِحَهَا، وَيُظْهِرُ مِنْ الأفْعَالِ فَضَائِحَهَا، وَيَجْعَلُ سِتْرَ الْمُرُوءَةِ مَهْتُوكًا، وَمَدْخَلَ الشَّرِّ مَسْلُوكًا.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ». ثُمَّ تَلاَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي بِالشَّهَوَاتِ ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ ﴿وَغَرَّتْكُمْ الامَانِيُّ﴾ يَعْنِي بِالتَّسْوِيفِ ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الْمَوْتَ ﴿وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ.
[ ٩ / ٣١ ]
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: اقْدَعُوا هَذِهِ النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَإِنَّهَا طَلاَعَةٌ تَنْزِعُ إلَى شَرِّ غَايَةٍ. إنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ، وَتَرْكُ الْخَطِيئَةِ خَيْرٌ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ وَرُبَّ نَظْرَةٍ زَرَعَتْ شَهْوَةً، وَشَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلًا.
(وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَيْنِ: اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الأمَلِ. فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ وَطُولَ الأمَلِ يُنْسِي الاخِرَةَ.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى هَوًى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ.
(وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: الْهَوَى هَوَانٌ وَلَكِنْ غَلِطَ بِاسْمِهِ، فَأَخَذَهُ الشَّاعِرُ وَقَالَ: إنَّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُلِبَ اسْمُهُ فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيت هَوَانَا وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ، أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «الْعَقْلُ صَدِيقٌ مَقْطُوعٌ، وَالْهَوَى عَدُوٌّ مَتْبُوعٌ».
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَصَى هَوَاهُ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ مَنْ رَفَضَ دُنْيَاهُ.
(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَك الْهَوَى إلَى كُلِّ مَا فِيهِ عَلَيْك مَقَالُ قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ ﵀: لَمْ يَقُلْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سِوَى هَذَا الْبَيْتِ.
(قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «الْهَوَى مَلِكٌ غَشُومٌ، وَمُتَسَلِّطٌ ظَلُومٌ».
(وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: الْهَوَى عَسُوفٌ، وَالْعَدْلُ مَأْلُوفٌ.
(وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَعَزُّ الْعِزِّ الامْتِنَاعُ مِنْ مِلْكِ الْهَوَى.
(وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْهَوَى عَمًى.
[ ٩ / ٣٢ ]
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: رَكَّبَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ مِنْ عَقْلٍ بِلاَ شَهْوَةٍ، وَرَكَّبَ الْبَهَائِمَ مِنْ شَهْوَةٍ بِلاَ عَقْلٍ، وَرَكَّبَ ابْنَ آدَمَ مِنْ كِلَيْهِمَا؛ فَمَنْ غَلَّبَ عَقْلَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْبَهَائِمِ.
(قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إيَّاكُمْ وَتَحْكِيمَ الشَّهَوَاتِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّ «عَاجِلَهَا ذَمِيمٌ، وَآجِلَهَا وَخِيمٌ»، فَإِنْ لَمْ تَرَهَا تَنْقَادُ بِالتَّحْذِيرِ وَالإرْهَابِ، فَسَوِّفْهَا بِالتَّأْمِيلِ وَالإرْغَابِ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى النَّفْسِ ذَلَّتْ لَهُمَا وَانْقَادَتْ.
(وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: كُنْ لِهَوَاك مُسَوِّفًا، وَلِعَقْلِك مُسْعِفًا، وَانْظُرْ إلَى مَا تَسُوءُ عَاقِبَتُهُ فَوَطِّنْ نَفْسَك عَلَى مُجَانَبَتِهِ فَإِنَّ تَرْكَ النَّفْسِ وَمَا تَهْوَى دَاؤُهَا، وَتَرْكَ مَا تَهْوَى دَوَاؤُهَا، فَاصْبِرْ عَلَى الدَّوَاءِ، كَمَا تَخَافُ مِنْ الدَّاءِ.
(«الْهَوَى عاجِلُه ذميم وآجِلُه وخيم»، «الْهَوَى مَطِيَّةُ الْفِتْنَةِ، وَدَارُ الْمِحْنَةِ»
(أخي الحبيب:
(احذر أفاعي الهوى وعقارب اللذات وارجع إلى ربك قبل الممات، قبل أن تتمنى المهلة وهيهات. وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي برزة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - ﷺ - قال: إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى.
الغي: الضلال والانهماك في الشر.
المضلات: كل ما يبعد الناس عن الحق ويميلهم إلى الباطل ويهلكهم
الهوى: كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - ﷺ - قال: ثلاث منجيات: خشيةُ الله تعالى في السر والعلانية والعدلُ في الرضا والغضب والقصد في الفقر والغنى وثلاث مهلكات: هوى متبع وشحٌ مطاع وإعجاب المرء بنفسه.
(قال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.