قال الزجاج: معنى دساها جعلها ذليلة (حقيرة) (١) خسيسة (٢).
وقال الفراء: دسسها؛ لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله وماله (٣).
قال ابن قتيبة: أي أخفاها بالفجور والمعصية (٤).
فالفاجر (بارتكاب الفواحش) (٥) دس نفسه؛ أي قمعها (وخباها) (٦)، وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها.
وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا (٧) تشتهر (بذلك) (٨) أنفسها، واللئام تنزل الأطراف (والوديان) (٩).
فالبر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه أنه (اتسع وعظم) (١٠) عما كان عليه قبل
_________________
(١) زيادة من المطبوع، والذي في طبعة معاني القرآن للزجاج: قليلة.
(٢) معاني القرآن للزجاج (٥/ ٣٣٢).
(٣) معاني القرآن للفراء (٣/ ٢٦٧).
(٤) غريب القرآن (٥٣٠).
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) زيادة من المطبوع.
(٧) مأخوذ من الربوة وهو ما ارتفع من الأرض. النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٩٢)
(٨) سقط من المطبوع.
(٩) زيادة من المطبوع. وانظر تأويل مشكل القرآن (٣٤٥).
(١٠) في المطبوع: اتساعا وبسطًا.
[ ١٩ ]
ذلك؛ (فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله وشرح صدره) (١)، والفجور والبخل يقمع النفس (ويصغرها) (٢) ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق. وقد بين النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح فقال: «مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فجعل المتصدق كلما (تصدق) (٣) بصدقة (اتسعت) (٤) وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع». أخرجاه (٥)، (وهذا لفظ مسلم) (٦).
وإخفاء المنزل وإظهاره تبعا لذلك، قال الله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩]. فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في البدن وبعضها في
_________________
(١) زيادة من المطبوع.
(٢) في المطبوع: ويضعها.
(٣) في المطبوع: همّ.
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) رواه البخاري كتاب اللباس باب جيب القميص من عند الصدر وغيره (٥٧٧٩)، ومسلم كتاب الزكاة (١١٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) سقط من المطبوع.
[ ٢٠ ]
بعض، ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل، والنفس البرة النقية التقية (التي) (١) قد زكاها صاحبها فارتفعت واتسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن (تسيل كالقطرة من فَيّ السقاء) (٢) وكالشعرة من العجين.
قال ابن عباس: «إن للحسنة لنورًا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادًا في الوجه ووهنا في البدن وضيقًا في الرزق وبغضًا في قلوب الخلق» (٣).
وقد قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهذا مثل البخيل والمنفق. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
_________________
(١) زيادة من المطبوع.
(٢) زيادة من المطبوع.
(٣) لم أجده من قول ابن عباس ﵄، ولكن للحسن البصري كلام نحوه فقال: العمل بالحسنة نور في القلب وقوة في البدن، والعمل بالسيئة ظلمة في القلب، ووهن في البدن. رواه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٣) (١٩٧).
[ ٢١ ]
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآية ونحوها. وقوله تعالى في سياق ذكر الرمي بالفاحشة وذم (المظهر لها) (١) والمتكلم بما لا يعلم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]. بيّن أن الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة، ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال (النفس) (٢) فإنه (يؤمن) (٣) أن السيئات مذمومة ويكره فعلها ويجاهد نفسه إذا دعته إليها (إن كان مصدقا لكتاب ربه مؤمنًا بما جاء عن نبيه ﷺ) (٤)، وهذا التصديق (والإيمان) (٥) والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو (النفس) (٦) بذلك أيضا؛ بخلاف ما إذا عملت السيئات فإنها (تتدنس) (٧) وتندس وتنقمع كالزرع إذا نبت معه الدغل. والثواب إنما يكون على
_________________
(١) في المطبوع: من أحب إظهارها في المؤمنين.
(٢) أشار في حاشية المخطوط: الإنسان.
(٣) في المطبوع: تعلم.
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) زيادة من المطبوع.
(٦) سقط من المطبوع.
(٧) زيادة من المطبوع.
[ ٢٢ ]
عمل موجود، (والعقاب إنما يكون على عمل موجود) (١). فأما العدم المحض فلا ثواب فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب.
والله (﵎) (٢) أمر (الناس) (٣) بالخير ونهاهم عن الشر، وقد اتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود، واختلفوا في (المطلوب) (٤) بالنهي وهو الترك: هل (هو) (٥) أمر وجودي أم أمر عدمي؟ فقيل: (المطلوب أمر) (٦) وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثرين. وقيل: المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله. (ومن قال هذا قال: لو لم يخطر النهي عنه بباله بحال لكان ممتثلًا) (٧).
والتحقيق (الأمر) (٨) أن المؤمن إذا نهى عن المنكر (فلا بد أن يقر بهذا النهي) (٩) ويعزم على ترك (المنهي عنه) (١٠)،
_________________
(١) سقط من المطبوع، وفي المطبوع: وكذلك العقاب.
(٢) في المطبوع: سبحانه.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) زيادة من حاشية المخطوط.
(٥) في المطبوع: المطلوب.
(٦) سقط من المطبوع.
(٧) سقط من المطبوع.
(٨) سقط من المطبوع.
(٩) في المطبوع: فلا بد ان لا يقربه.
(١٠) سقط من المطبوع.
[ ٢٣ ]