أَتوا) (١). وذلك لأنهم طلب منهم ذلك في الدنيا فلم يعطوه كما في قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾، وقد تقدم هذا قوله:
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ • بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣، ٤] الآية وما بعدها، فقد أخبر) (٢) أن الرسول دعاهم (ودعاه إياهم إلى ما دعاهم) (٣)، وهو طلب منه (كذلك قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي لا يؤتونه ما طلب منهم) (٤) فكان هذا اللفظ متضمنًا قيام الحجة عليهم بالرسل وهو إنما يدعوهم لما تزكوا به أنفسهم.
ومما يبين: أن الزكاة تستلزم الطهارة؛ لأن معناها معنى الطهارة، قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٣٠] (تطهرهم) (٥) من الشر وتزكيهم بالخير (فتذهب عنهم السيئات فيصيرون طاهرين منها وتزكو أنفسهم حينئذ بالعمل الصالح مع زوال الذنوب) (٦) قال النبي ﷺ: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب
_________________
(١) ذكره ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٧٠).
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) سقط من المطبوع.
[ ٢٩ ]
الأبيض من الدنس اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب» (١). وهذا كان يدعو به في الاستفتاح الصلاة وفي الاعتدال من الركوع. (وكذلك في الحديث الصحيح أنه ﷺ صلى على ميت فقال: «اللهم اغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس») (٢)، والغسل بهذه الأمور توجب تبريد المغسول، والبرد يعطي قوة وصلابة وما يُسرّ يوصف بالبرد، (ويقال) (٣): قرة العين ولهذا كان دمع السرور باردًا ودمع الحزن حارًا؛ لأن ما يسوء النفس يوجب حزنها وغمها (وذلك بسخن الباطن) (٤)، وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرّد الباطن، (ولهذا يقال: برد قلبي) (٥). فسأل النبي ﷺ أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤) كتاب الصلاة باب ما يقول بعد التكبير، ومسلم (٥٩٨) كتاب المساجد من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) سقط من المطبوع، والحديث رواه مسلم (٩٦٣) كتاب الجنائز من حديث عوف بن مالك ﵁.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ٣٠ ]