النصوص. مثل قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية. فدل ذلك على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وقد ضرب مثله (بالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ولا باليوم [الآخر] (١) وجعل مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا) (٢) وقالت عائشة: أخبري زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول ﷺ إلا أن يتوب (٣).
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) سقط من المطبوع وبدلها: بالمرائي.
(٣) رواه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤) وابن المنذر في الأوسط (١٠/ ٣٦٥) والبيهقي (٥/ ٣٣٠) من طريق أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية، ورواه الدارقطني (٣/ ٤٧٧) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أمه العالية، قالت: خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة . وقال الشافعي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٣٣١): وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة. قال الدارقطني: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما. قال ابن عبد البر في الاستذكار (١٩/ ٢٥): وهو خبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم. وامرأة أبي إسحاق، وامرأة أبي السفر، وأم ولد زيد بن أرقم كلهن غير معروفات بحمل العلم والحديث منكر اللفظ لا أصل له؛ لأن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها، ويكفره اجتهادها، فهذا ما لا ينبغي أن يظن به ولا يقبل عليها وذهب ابن القيم الى تقوية أثر عائشة كما في إعلام الموقعين (٣/ ١٣٢)، وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٤/ ٦٩) عن الإسناد الذي أسنده الإمام أحمد قال: حدَّثنا محمَّد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن امرأته: هذا إسنادٌ جيدٌ. اهـ وذكره السخاوي في الفتاوى الحديثية (ص ٢٢٨) أن الإمام أحمد رواه في المسند. ولم أجده في المسند.
[ ٤٢ ]
وأما قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وحديث صلاة العصر ففيه نزاع. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وعن عطاء: بالشرك والنفاق. وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة وعن مقاتل: بالمن (١).
وذلك أن قوما (من الأعراب قدموا على رسول الله ﷺ وقالوا: أتينا طائعين، فلنا عليك حق. فنزلت هذه الآية ونزل قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾) (٢).
فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط (بعض) (٣) الأعمال. فإن قيل: لم يرد بذلك إلا إبطالها بالكفر. قيل: الكفر منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم،
_________________
(١) انظر الأقوال في زاد المسير (٤/ ١٢٢) وتفسير البغوي (٧/ ٢٩٠).
(٢) سقط من المطبوع، وبدلها في المطبوع: منوا بإسلامهم. وذكر خبر النزول ابن الجوزي في زاد المسير، وقد جاء نحوه فيما رواه النسائي في الكبرى (١١٤٥٥) ومن طريقه الضياء في المختارة (١٠/ ٣٤٦) وإسناده صحيح. ورواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٣١) بإسناد صحيح مرسل عن قتادة.
(٣) سقط من المطبوع.
[ ٤٣ ]
فالنهي عنه لا يُعبر عنه (بمجرد لا تبطلوا أعمالكم) (١) بل يذكر على وجه التغليظ. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية ونحوها.
والله سبحانه في هذه الآية وفي آية المن سماها إبطالا لم يسمه إحباطا؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤].
فإن قيل: المراد بذلك إذا دخلتم فيها فأتموها، وبهذا احتج من قال: التطوع يلزم بالشروع. قيل: لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل فالنهي عن إبطاله كله أولى بدخوله فيها، فكيف وذلك قبل فراغه قد لا يسمى صلاة ولا صوما (وإنما يسمى بذلك بعد كماله) (٢).
ثم يقال: الإبطال بالضد يؤثر قبل الفراغ وبعده، وأما ما ذكروه فهو أمر بالإتمام والإبطال هو إبطال الثواب، ولا نسلم أن من لم يتم الصوم والصلاة يبطل جميع ثوابه، بل قد يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وقد ثبت في الحديث الصحيح
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
[ ٤٤ ]
حديث المفلس «الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال (١)، وقد قتل هذا، وأخذ مال هذا، وانتهك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته» (٢). الحديث.
لكن هذا في حقوق العباد يدل على أن الحسنات تؤخذ في المظالم فإذا لم تبق حسنة أخذ من سيئات المظلوم فجعلت على الظالم. وقال: «من كانت لأخيه عنده مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليتحلل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات» (٣). وهذا يبين أن المقتول ظلما يأخذ من حسنات قاتله أو يأخذ القاتل من سيئاته فتُجعل عليه.
وقد قال أحد ابني آدم: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، وفيه قولان مشهوران: أحدهما: تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي في عنقك. هذا مأثور عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. والثاني: تبوء بإثمي في خطاياي وإثمك في قتلك لي. وهو مروي عن مجاهد. قال ابن جرير: والصحيح عن مجاهد هو القول الأول (٤).
_________________
(١) هنا انتهى ما في المطبوع (١٠/ ٦٤٠). وتبدأ تكملتها من المخطوط.
(٢) رواه مسلم (٢٥٨١) كتاب البر والصلة من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٢٤٤٩) كتاب المظالم من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر الأقوال في تفسير ابن جرير الطبري (٨/ ٣٣٠).
[ ٤٥ ]
فعلى الأول لفظ الإثم مضاف في الثاني إلى الفاعل، وفي الأول مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني هو مضاف فيهما إلى الفاعل. وبعض الناس يقول: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب. وليس المراد أن القاتل يحمل جميع سيئاته، بل قد روي أن القتل كفارة للمقتول.
وعن علي بن الحسين بن علي أنه بلغه قتل ابن زياد وهو يطوف فساءه ذلك، قال: فقيل له وما تكره من ذلك؟ قال: لأن القتل كفارة المقتول (١).
والذي عليه الحديث أنه إن كانت له حسنات أخذت منه، وإلا جعلت من سيئات المظلوم عليه، ولهذا يبوء بإثم المظلوم لكن ليس فيه أنه يحمل جميع سيئات المظلوم، وقد يكون المقتول ظلمًا عليه أوزار كبيرة وقد قتل نفوسًا، فلا يكون إثم قتله بقدر الإثم من قتلهم كلهم، لكن قد يقال في القصة المعنية لم يكن على المقتول من السيئات أعظم من سيئة قتله، فإن قتله أعظم الذنوب بعد الكفر، وهو أول مقتول قُتل على وجه الأرض، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن
_________________
(١) لم أجد من خرّجه.
[ ٤٦ ]