ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ريب؛ فلا يتصور أن المؤمن الذي قد علم أنه (نهي عن فعل لا يصدر منه أمر) (١) وجودي لكن قد لا يكون مريدًا (لما نهي عنه بل هو كارها له طبعًا) (٢) كما يكره (الإنسان) (٣) أكل الميتة (والعذرة مع نهي الشارع له عن ذلك لكن مع نهي الشارع) (٤) فلا بد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع، وهذا قدر زائد على كراهة الطبع وهذا أمر وجودي يثاب عليه؛ ولكن ليس ثواب من كف نفسه وجاهدها (لطلبها الفعل) (٥) المحرم (كثواب من يكرهه طبعه) (٦).
ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان وقد غمر إيمانه حكم طبعه؛ فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس المطمئنة، وهو أرفع من صاحب (النفس) (٧) اللوّامة التي تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه وتتلوّم وتتردّد هل يفعل أو لا
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) في المطبوع: عن طلب.
(٦) سقط من المطبوع.
(٧) سقط من المطبوع.
[ ٢٤ ]
(يفعل) (١)، وأما من لم يخطر بقلبه أن الله حرمه ولا هو مريد له؛ بل لم يفعله فهذا لا يعاقب عليه ولا يثاب إذا لم يحصل منه أمر وجودي يثاب عليه (أو يعاقب) (٢)، فمن قال: المطلوب ألا يفعل: إن أراد أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق (فإن إذا لم يصدر منه ذنب لم يعاقب) (٣).
وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك (فإن الثواب لا يكون إلا على أمر وجودي وكذلك العقاب أيضًا) (٤). فإن الكافر إذا لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد (أن يكون) (٥) لنفسه أعمال تشتغل بها عن الإيمان (وتلك) (٦) الأعمال كفر يعاقب عليها.
ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر أمورًا وجودية (عوقبوا عليها وتلك الأمور المباينة للإيمان هي) (٧) تدس النفس؛ ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تتزكى به
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) زيادة من المطبوع.
(٣) زيادة من المطبوع.
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) زيادة من المطبوع.
(٦) في المطبوع: ترك.
(٧) سقط من المطبوع.
[ ٢٥ ]
النفس، وكان الشرك أعظم ما يدسسها، وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة وهذا كله مما ذكره السلف (في التزكي) (١).
قالوا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ من تطهر من الشرك ومن المعصية بالتوبة (٢). وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة: صدقة الفطر (٣). وهؤلاء لم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا (صدقة الفطر) (٤) بل مقصودهم: أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناوله قوله: (﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]) (٥).
ولهذا كان يزيد بن أبي حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج معه بصدقة يتصدق بها قبل الصلاة ولو لم يجد إلا بصلًا (٦).
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) انظر تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٣١٩).
(٣) انظر تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٣٢٠).
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) هو من فعل أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وفيه حديث وهو صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٨/ ٥٦٨) واللفظ له وابن المبارك في الزهد (٦٤٥) وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠) وغيرهم، من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير، حدثه، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول: سمعت رسول ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس». قال يزيد: «وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة أو كذا» وفي رواية عند أحمد (٣٨/ ٤٧٥): عن يزيد بن أبي حبيب قال: «كان مرثد بن عبد الله لا يجيء إلى المسجد إلا ومعه شيء يتصدق به، قال: فجاء ذات يوم إلى المسجد ومعه بصل، فقلت له: أبا الخير، ما تريد إلى هذا ينتن عليك ثوبك » الحديث.
[ ٢٦ ]
وقال الحسن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ من كان عمله زاكيًا (١).
وقال أبو الأحوص: (زكوات الأموال) (٢) كلها (٣).
وقال الزجاج: (تزكو بتقوى) (٤) الله ﷿ ومعنى الزاكي النامي الكثير (٥).
كذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] قال ابن عباس: لا يشهدون أن لا إله إلا الله (٦).
(وهو قول عكرمة. قيل: المعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك التوحيد) (٧). وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم أي ليست
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري (٢٤/ ٣١٩).
(٢) في المطبوع: زكاة الأمور.
(٣) رواه ابن جرير الطبري (٢٤/ ٣١٩) نحوه.
(٤) في المطبوع: تزكى بطاعة.
(٥) معاني القرآن (٥/ ٣١٦).
(٦) رواه ابن جرير الطبري (٢٠/ ٣٧٩).
(٧) سقط من المطبوع. وأثر عكرمة رواه ابن جرير الطبري (٢٠/ ٣٧٩).
[ ٢٧ ]
(أعمالهم) (١) زاكية. (وقيل: لا يطهرونها بالإخلاص. كأنه أراد - والله أعلم - أهل الرياء فإنه شرك) (٢). وعن الحسن: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها. وعن الضحاك: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. وعن ابن السائب: لا يعطون زكاة أموالهم. قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون (٣).
والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة. (كما قال موسى لفرعون) (٤): ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وكما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾.
والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزول (هذه الآية وهي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]) (٥). فإن قيل: يؤتى فعل متعد قيل: هذا كقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] (وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وقد قرئ: (ما
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) زيادة من المطبوع.
(٣) انظر أقوال السلف في تفسير الآية: معالم التنزيل (٧/ ١٦٤) وزاد المسير (٤/ ٤٦).
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ٢٨ ]