قدر احتمال عود ضمير «زكاها» إلى «نفس» وإلى «منْ» مع أن لفظ «منْ» لا دليل يوجب عوده إليه لكان إعادته إلى المؤنث (المعلوم تأنيثه) (١) أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإن الكلام (إذا) (٢) احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما (الذي يدل على الكلام ولا يجوز حمله على الآخر بلا دليل إرادته) (٣) ومن تكّلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن منزّه عن ذلك والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور. ولبسط هذا موضع آخر.
والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم (والتحذير من) (٤) (تدسيسها) (٥) (كما قال في السورة الأخرى) (٦): ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) زيادة من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) في المطبوع: تدسيتها.
(٦) سقط من المطبوع.
[ ١٦ ]
تَزَكَّى﴾ فلو قُدّر أن المعنى: أفلح من زكى الله نفسه: لم يكن في هذا أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر فلا يقول: من جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ • الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ و﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ إذ ذكر مجرد القدر (في الأمر والنهي والترغيب والترهيب) (١) يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا، فكيف بكلام الله تعالى ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسب ذلك من الوعد والوعيد والمدح والذم (والتحضيض والترهيب) (٢)، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إما بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النعم.
كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] فهذا هناك مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ معنى آخر، وهذه الآية من جنس الثانية لا
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
[ ١٧ ]
(من جنس) (١) الأولى. والمقصود ذكر التزكية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ الآية [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ (وقال موسى لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى • وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦]) (٢).
وأصل الزكاة الزيادة في الخير. ومنه يقال: زكا الزرع (وزكا المال) (٣) إذا نما. ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، كالزرع الذي لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا (حتى يزال عنها ما يناقضها) (٤)، ولا يكون الرجل متزكيا قد زُكّي إلا مع ترك الشر؛ (ومن لم يترك الشر لا يكون زاكيًا البته فإن الشر) (٥) يدنّس النفس ويدسيها.
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) ساقط من المطبوع.
(٣) ساقط من المطبوع.
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) ساقط من المطبوع.
[ ١٨ ]