قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
قال سفيان بن عيينة وقتادة وغيرهما: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال (١).
وقال أبو الفرج: (معنى زكّاها: طهّرها من الذنوب وأصلحها بالطاعة) (٢). وقيل: قد أفلحت نفس زكاها الله وقد خابت نفس دساها الله. وهذا قول الفراء والزجاج (٣).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٣١) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٤٤).
(٢) سقط من المطبوع، وانظر: زاد المسير (٤/ ٤٥١).
(٣) معاني القرآن للفراء (٣/ ٢٦٧) ومعاني القرآن للزجاج (٥/ ٣٣٢).
[ ١٢ ]
وكذلك ذكره الوالي عن ابن عباس وهو منقطع (لا يثبت) (١).
وليس هذا مراد الآية؛ بل المراد بها هو الأول قطعا لفظا ومعنى. أما «اللفظ» فقوله: من زكاها اسم موصول فلا بد فيه من عائد على «مَنْ».
فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زكاها كان ضمير (الفاعل) (٢) في زكاها يعود على «مَنْ».
وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته كما يقال: قد أفلح من اتقى الله ربّه، وقد أفلح من أطاع ربه، (وقد أفلح من خاف منه) (٣).
وأما إذا كان المعنى: قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير يعود على «مَنْ». فإن الضمير على هذا (المعنى) (٤) يعود على الله (على هذا القول) (٥). وليس هو «مَنْ». وضمير المفعول يعود
_________________
(١) سقط من المطبوع، وانظر تفسير البغوي (٨/ ٤٠٢).
(٢) في المطبوع: الشخص.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ١٣ ]
على النفس المتقدمة فلا يعود على «مَنْ»، لا ضمير الفاعل ولا ضمير المفعول. فتخلو الصلة عن عائد وهذا لا يجوز.
نعم لو قيل: قد أفلح من زكاها الله نفسه أو من زكاها الله له ونحو ذلك صح الكلام.
وخفاء (مثل) (١) هذا على من قال بهذا من النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحت نفس زكاها. فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة؛ بل قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ فالجملة (صفة) (٢) لمَنْ لا صفة لها. ولا قال أيضا: قد أفلحت النفس التي زكاها؛ فإنه لو قيل ذلك وجعل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح، (وإنما قال قد أفلح من زكاها) (٣) فإذا (تكلف أهل هذا القول) (٤) وقال: التقدير ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي النفس التي زكاها. وقالوا: في زكيّ ضمير والمفعول يعود على «مَنْ»، (وقالوا: «مَنْ») (٥) تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي، فلهذا قيل:
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) في المطبوع: صلة.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ١٤ ]
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ولم يقل قد أفلحت.
قيل لهم: هذا مع أنه خروج عن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دلّ الكلام على ذلك في مثل قوله: (﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] فإن قوله: منكن دلّ) (١) على أن المراد النساء فقيل: تعمل.
وكذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ونحو ذلك. وأما هنا فليس في لفظ «مَن» وما بعدها ما يدل على أن المراد بهذا النفس المؤنثة (فإنه لم يقل: قد أفلحت. ولا قال: قد أفلح من النفوس من زكاها. وقد تقدمها قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فتقدم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدم دليل على عوده إلى غير ذلك) (٢).
فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإن مثل هذ (تلبيس) (٣) يصان كلام الله ﷿ عنه، فلو
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
[ ١٥ ]