من الإيمان (وعبادة الله ﷿ وأشباهه بما يقوي الإيمان والعبادة) (١). وإذا حصل (في القلب) (٢) مرض من الشبهات والشهوات أزيل (ذلك بضده) (٣)، ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض (بالشهوات والشبهات) (٤) إلا لنقص إيمانه (وعبادته لربه) (٥).
وكذلك الإيمان والكفر والبر والفجور هما متضادان فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر تارة ويرفعه أخرى كالسواد والبياض (فالسواد يمنع البياض أن) (٦) يحصل موضعه ويدفعه إذا كان حاصلًا، كذلك الحسنات تمنع السيئات (أن تحصل وتدفعها بعد الحصول، وكذلك بالعكس فالكفر يمنع الإيمان وقد يرفعه بعد حصوله، والسيئات قد تمنع الحسنات وقد ترفعها بعد الحصول) (٧). والإحباط (الذي ينكره سلف الأمة
_________________
(١) اضطراب وسقط في المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) سقط من المطبوع.
(٧) سقط من المطبوع.
[ ٣٧ ]
وأهل السنة ليس هو ما تقوله الخوارج) (١) والمعتزلة من أن (السيئة الواحدة) (٢) الكبيرة تحبط (جميع) (٣) الحسنات حتى الإيمان، وإن من مات (مصرًا على كبيرة لم يكن معه من الإيمان شيء أصلًا بل هو مخلد في النار ولا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها. وقال كثير منهم) (٤) الجبائي وابنه بالموازنة (بين الحسنات والسيئات) (٥). لكن قالوا: من ترجحت سيئاته خُلّد في النار، وأما الموازنة بلا تخليد (في النار فهو قول عامة السلف وأكثر أهل السنة) (٦).
ومن الإحباط ما اتفق المسلون عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر (فهذا مما اتفق عليه الناس أن الردة التي يموت صاحبها عليها تحبط الأعمال، كلها لأن الكافر ليس له حسنة يدخل بها الجنة) (٧) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) سقط من المطبوع.
(٧) سقط من المطبوع.
[ ٣٨ ]
وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
(فهذا الإحباط متفق عليه، وذاك الإحباط مخالف لأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين) (١) فإن الله سبحانه ذكر في القرآن حد الزاني (والسارق والقاذف) (٢) ولم يجعلهم كفارا (مرتدين) (٣) حابطي الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين، (ومعلوم أن كل من أظهر الردة يجب قتله) (٤)، والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم (فلو كان القذف والسرقة والزنا كفرًا لوجب قتل صاحبه إذا لم يتب، والقرآن لم يأمر إلا بالجلد أو القطع) (٥). والنبي ﷺ قد أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه، ولو كانوا كفارًا أو منافقين لم تجز الصلاة
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ٣٩ ]
عليهم. فعُلم أنهم لم تحبط إيمانهم كله.
(وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لمن كان مدمن الخمر، وكلما أتي به إليه حدّه فلعنه رجل) (١) فقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٢). (وحب الله ورسوله) (٣) من أعظم شعب الإيمان. فعلم أن إدمان (شرب الخمر) (٤) لا يذهب (جميع الإيمان وإن أذهب بعضها) (٥). وثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة: «أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٦). ولو (كان إيمانهم كله قد) (٧) حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه (ولم يخرجوا) (٨).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) رواه البخاري (٦٧٨٠) كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من الملة، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) في المطبوع: الشعب كلها.
(٦) رواه البخاري (٤٤) كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه، ومسلم (١٩٣) كتاب الإيمان من حديث أنس ﵁.
(٧) سقط من المطبوع.
(٨) سقط من المطبوع.
[ ٤٠ ]
فجعلهم من المصطفين (مع ظلمهم لأنفسهم، فلو كان الذنب يحبط جميع الإيمان لم يكن منهم ظالم لنفسه بل كان من غيرهم من الكفار. والمعتزلة يدّعون أنهم العدلية، فأي عدل في أن تكون سيئة واحدة تحبط حسنات كثيرة أعظم منها قدرًا ووصفًا، وقد ثبت في الصحاح حديث أبي ذر: «وإن زنا وإن سرق» (١). فلو كان الزنا والسرقة كفرًا محبطًا لجميع الإيمان لكان التقدير: وإن كفر) (٢).
فإذا كانت (السيئات) (٣) لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها (من الحسنات) (٤)؟
وهل تحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟
هذا فيه قولان للمنتسبين إلى السنة: منهم من ينكر (الإحباط مطلقًا فيقول: ما ثَم إحباط، لا في الجميع ولا في البعض) (٥)، ومنهم من يقول بذلك (في البعض) (٦) كما دلت عليه
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٣٧) كتاب الجنائز باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، ومسلم (٩٤) كتاب الإيمان من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) زيادة من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع.
(٦) سقط من المطبوع.
[ ٤١ ]