آدم الأول كفل من دمها» (١). لأنه أول من سن القتل.
فهذا الإثم الذي حصل بقتل المظلوم عظيم جدًا لم تكن على المظلوم سيئات مثله. وحينئذ فالقاتل يبوء بالسيئات التي كانت على المقتول مع سيئات نفسه، وكان مثل هذا القاتل ما ترك على المقتول المظلوم من ذنب، وكذلك لو كانت لهذا القاتل حسنات لأخذ المقتول المظلوم منها حقه، وهذا لأنه إذا كان كافرًا لم تكن له حسنة. وقد اختلف الناس في القاتل قابيل: هل كان كافرًا أو فاسقًا غير كافر؟ على قولين.
وقد قال سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ قال ابن عباس: من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا أنه أسخط والديه وبقي بلا أخ، وخسرانه في الآخرة أنه أسخط ربه وصار إلى النار. قال الزجاج: أصبح من الحسنات خاسرًا. وقال أبو يعلى: من الخاسرين أنفسهم بإهلاكهم إيّاها، والخاسر الذي خسر ما كان له وهذا يدل على ذهاب حسناته إما بالكفر وإما بالقصاص (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٣٥) كتاب أحاديث الأنبياء باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، ومسلم (١٦٧٧) كتاب القسامة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) انظر زاد المسير (١/ ٥٣٨).
[ ٤٧ ]
وقد ذكر الله سبحانه وزن الحسنات والسيئات في عدة آيات، فقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] الآية ونحوها مثل الآية التي في آخر المؤمنين، والتي في سورة الأنبياء، والتي في سورة القارعة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم» (١). وفي حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره: «فتوضع البطاقة في كفة والسجلاّت في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلاّت» (٢).
والموزون سواء كانت هي الصحائف أو الأعمال تجعل أجسامًا كما يجيء ثواب البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف (٣)، ويجيء ثواب القرآن في
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٠٦) كتاب الدعوات باب فضل التسبيح، ومسلم (٢٦٩٤) كتاب الذكر من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه (٤٣٠٠) والحاكم (١/ ٤٦) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. حسنه الترمذي وصححه الحاكم والألباني في الصحيحة (١٣٥).
(٣) رواه مسلم (٨٠٤) كتاب الصلاة من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
[ ٤٨ ]
صورة الرجل الشاحب، فيقول: «أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك» (١). وكما في حديث القبر أنه يأتيه عمله الصالح في صورة شاب حسن الوجه، وعمله السيء في صورة قبيحة (٢). وكذلك إتيان الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح (٣) وغير ذلك.
والناس لهم قولان في قلب الأعراض أجسامًا، منهم من يُجوّز ذلك فيكون نفس العمل قُلب عينًا قائمة بنفسها، ومنهم من لا يُجوّزه فيقول جُعل منه. ومن هذا الباب صعود الأعمال إلى الله سبحانه فإنه تصعد الصحف، وكذلك جاءت الآثار بصعود صور الأعمال كما في الحديث: «إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله دويّا حول العرش يذكرن
_________________
(١) رواه أحمد (٣٨/ ٤١) وابن ماجه (٣٧٨١) والدارمي (٣٤٣٤) وغيرهم، من حديث بريدة ﵁. فيه بشير بن مهاجر، قال أحمد: منكر الحديث قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيئ بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. انظر تهذيب التهذيب (١/ ٤٦٨)، وضعفه الألباني في الجامع الصغير (٦٣١٦).
(٢) رواه أحمد (٣٠/ ٤٩٩) وابن أبي شيبة (١٢٠٥٩) والحاكم (١/ ٩٣) والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٠) وغيرهم من حديث البراء بن عازب ﵁. وصححه الحاكم والبيهقي والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٥٥٨).
(٣) رواه البخاري (٤٧٣٠) كتاب تفسير القرآن باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، ومسلم (٢٨٤٩) كتاب الجنة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤٩ ]
بصاحبهن» (١). وهو في السنن.
وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وكذلك قوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ • وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. ويدل عليه الحديث الذي في الصحيحين: ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا مُثّل له يوم القيامة شجاع أقرع» (٢). الحديث.
وهو تأويل قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية. لكن هذه أجسام، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ • وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٢، ١٣]
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠/ ٣١٢) وابن أبي شيبة (٢٩٤١٥) وابن ماجه (٣٨٠٩) والحاكم (١/ ٦٨٢) من حديث النعمان بن بشير ﵄. صححه الحاكم والألباني في الصحيحة (٣٣٥٨)
(٢) رواه البخاري (١٤٠٣) كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، ومسلم (٩٨٨) كتاب الزكاة من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠ ]
الآية. وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، أي ركبانًا، وأن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد قبّح صورتك ونتّن ريحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا فأنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم (١).
وكذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] الآية. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الحديد: ١٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم: ٨]
_________________
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٨١).
[ ٥١ ]
الآية. قال ابن مسعود: منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على قدر إبهامه، يطفئ مرة ويَقِد أخرى. وفي لفظ عنه: يُعطون نورًا على قدر أعمالهم فمنهم من يُعطى نورًا كالنخلة وكالرجل القائم وأدناهم على إبهامه فيُطفئ مرة ويَقِد أخرى (١). وقال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ قال: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه (٢).
ومعلوم أن النور الذي يسعى بين أيديهم أعيان قائمة بنفسها ليست أعراضًا قائمة بهم، والنور الذي يضيء لا بد أن يكون عينًا قائمة بنفسها ليست أعراضًا وضوؤه ينتشر. ولهذا من قال: الموزون في الميزان جواهر مضيئة وهي الحسنات وجواهر مظلمة وهي السيئات. وفيها قول ثالث: إن الله يجعل في كل من
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (٣٤٥٥٨) والحاكم وصححه (٢/ ٥٢٠) من طريق قيس بن السكن عن ابن مسعود ﵁ وهو أثر صحيح، ورواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٧٨) والحاكم وصححه من طريق مسروق عن ابن مسعود (٢/ ٤٠٨)، وجاء مرفوعًا عند الطبراني (٩/ ٣٥٧) والحاكم (٤/ ٦٣٢) وصححه، ورجّح الدارقطني رفعه كما في العلل (٥/ ٢٤٤)، وصححه أيضًا الألباني في الترغيب (٣٥٩١).
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٢/ ٣٩٧) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٢).
[ ٥٢ ]
الكفتين علامة على قدر الثقل والخفة.
وقد ضرب الله مثل الإيمان بنور في مشكاة، ومثل الكفر بظلمات بعضها فوق بعض، فالدلائل الكثيرة تدل على أن الأعمال التي هي أعراض تُصور صور قائمة تُحمل أو تَحمل أصحابها وتوزن وتمشي أمام أصحابها وتخاطب أصحابها وتؤنسهم، ولبسط هذا موضع آخر.
فإن المقصود أنه إذا نطق الكتاب والسنة وأقوال السلف بوزن الحسنات والسيئات دل على قول من قال بذهاب بعض الحسنات بالسيئات كما يذهب بعض السيئات بالحسنات.
وعن ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيُؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان وهو الحق فتثقل حسناته على سيئاته فيوضع عمله في الجنة فيعرفها بعمله فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الناجون وهم أعرف بمنازلهم في الجنة إذا انصرفوا إليها من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم، وأما الكفار فيؤتي بأعمالهم في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان وهي الباطل فيخف وزنه حتى يقع في النار ثم
[ ٥٣ ]
يقال له إلْحَقْ بعملك (١).
وهو سبحانه ذكر من ثقلت موازينه فدخل الجنة ومن خفت موازينه فدخل [النار] (٢) على طريقة القرآن في ذكر أهل الوعد المحض وأهل الوعيد المحض، كما قال أبو بكر الصديق: إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلة عليهم، وحُق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفة عليهم، وحُق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا (٣).
_________________
(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (١/ ٤٤٧) وإسناده ضعيف.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٧٠٥٦) وأبو داود في الزهد (٢٨) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث عن أبي بكر، وهو مرسل صحيح. وله طريق آخر رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٦) بسند صحيح مرسل عن فطر بن خليفة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، وتابعه سعيد بن المرزبان عن عبدالرحمن وسعيد ضعيف، رواه سعيد بن منصور في التفسير (٥/ ١٣٣). وله طريق آخر بسند مرسل ضعيف رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٤٢) من طريق ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد عن أبي بكر. وبمجموع هذه الطرق يدل على ثبوت هذا الخبر عن أبي بكر الصديق ﵁.
[ ٥٤ ]
وأما من كان داخلا في الوعد والوعيد فمذهب الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة أنه يستحق الثواب والعقاب جميعًا، فإذا عذّبه الله بذنوبه ما شاء أن يعذبه أخرج بعد ذلك من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
ومذهب الخوارج والمعتزلة ما ثمَّ إلا مستحق للوعد فقط مُنَعّم لا يعذب أو مستحق للوعيد فقط مُعذب لا يُنعّم، وقد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع، ولهذا قالوا بالإحباط المطلق الذي لا يبقى معه حسنة.
وإذا كانت النصوص وإجماع السلف دلّ على أن من الناس من ينُعّم ويُعذب، وأن فيه بعض الإيمان، فهذا إذا كانت له حسنات كثيرة وسيئات كثيرة يكون سيئاته أبطلت بقدرها من حسناته، وإذا ترجحت سيئاته دخل النار، ولا يلزم من رجحان السيئات أن تكون الحسنات قد بطلت حتى يصير لا حسنة له بحال كالكفار، فإن الموزون هي الأعمال المصورة وصحفها تدل على أن له حسنات وسيئات، وأما من لا حسنة له بحال فذاك ميزانه خفيفة خفة مطلقة ليس فيها شيء من الحسنات التي تثقل بها، فإن الخفة والثقل إنما هو في الحسنات والتي يُفلح صاحبها إذا ثقلت كفتها ويخسر إذا خفت، فإذا قدر حسنات محضة ليس بإزائها سيئات فهذه في غاية الثقل،
[ ٥٥ ]
وإذا قدر سيئات محضة ليس بإزائها حسنات فهذه في غاية الخفة.
وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر ﵃: واعلم أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلا، وأنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل، وخفة ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا (١).