نشرت سنة ١٩٦٨
[سآتيكم اليوم بشيء جديد، ليس كما عرفتم في مقالاتي الماضية؛ فلن أعرض لموضوع أجمع أطرافه وأضمّ جوانبه، بل أسرد عليكم طرائف مرّت بي وأنا أقرأ، فيها فوائد وليس لها موضوع واحد، وربما كان فيها مع الفائدة متعة ومع الطرافة جمال.]
من ذلك أن المنجِّمين أجمعوا في سنة ٥٨٢ للهجرة على أن هذه الحياة الدنيا تنتهي في نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة وسيموت الأحياء جميعًا. أما السبب فهو أن الكواكب الستة تجتمع هذه الليلة في الميزان، فينشأ عن اجتماعها رياح شديدة مسمومة تُهلك كل ذي حياة.
وعمّ الذعر، وانتشر الخبر وانتقل من بلد إلى بلد، فترك الناس بيوتهم وأموالهم وهربوا مع أولادهم ونسائهم إلى مغارات الجبال وسراديب الأرض، وسدّوها على أنفسهم لئلا تدخلها هاتيك الرياح، ووضعوا فيها الزاد والماء، وخلت المدن واختفى السكان.
[ ٤١ ]
وجاءت الليلة الموعودة، فكان من تكذيب الله لهؤلاء المنجّمين أنها لم تهبّ تلكَ الليلة نسمة، وأن الشموع -كما يقول السيوطي- لم يتحرك لهيبها، فسخر منهم الشعراء ونال منهم الناس.
* * *
وفي سنة ٣٥٢هـ بعث بطرك الأرمن إلى ناصر الدولة (ابن حمدان) برجلين ملتصقين، وهما توأمان وعمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرّتان ومعدتان، ويختلف وقت جوعهما وعطشهما. ثم مات أحدهما وأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء ليفصلوا الحي عن الميت، فلم يستطيعوا فمات الآخر.
وفي سنة ٦٠١هـ ولدت امرأة ولدًا برأسين وأربعة أيدي وأربعة أرجل، ولكنه لم يعش!
هذا ما رواه المؤرخون، فما رأي الأطباء؟
* * *
وفي سنة ٣٠٤ أُهدي إلى المقتدر العباسي طائر أسود يتكلم الفارسية والهندية، أفصح من الببغاء.
وبمناسبة الكلام عن هذا الطائر: وقعت لي واقعة أحلف لكم بالله أني أرويها كما وقعت، لا أتزيّد فيها ولا أبالغ. هي أني لما كنت في لَكْنَو في الهند سنة ١٩٥٤ مللت في الفندق، فاستعرت من مكتبة ندوة العلماء كتبًا منها «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، وأنا
[ ٤٢ ]
مولع بهذا الكتاب وقد قرأته مرات كثيرة، فجعلت أطالع فيه، فوقفت على هذا الخبر الذي رويته.
وبينما كنت أقرأ هذا الخبر سمعت حوارًا بين رجل كبير إنكليزي خشن الصوت وفتاة، يتخلل ذلك بُغام طفل صغير. وتكرر هذا الحوار بذاته لا تتبدل فيه كلمة من جملة ولا رنّة من لهجة، فعجبت، وخرجت فلم أجد أحدًا، فدخلت فسمعت الحوار نفسه، فخرجت فلم أجد أحدًا. ولحظ ذلك نادل الفندق، وهو هندي، فضحك ودلّني بإصبعه على قفص فيه طائر أسود (كالذي روى خبره السيوطي) يشبه الشُّحْرور المعروف في الشام وليس به، وإذا هو الذي يخرج هذه الأصوات.
فكان عجبي من هذه المصادفة بالغًا!
* * *
وفي سنة ٣٦٦هـ كان الفيضان العظيم في دجلة، فارتفعت مياهها ثلاثين ذراعًا وغمرت بغداد كلها، وهلك الناس والدواب وذهبت الأموال، وصلى الناس الجمعة مرتين في طيّار كبير (عوامة) على وجه الماء.
وفي سنة ٥٩٦هـ قلّ ماء النيل في مصر حتى قصر عن خمسة عشر ذراعًا، وكان قحط عظيم أكل معه الناس كل ما وجدوا من الحيوان، حتى صاروا يأكلون جثث الأموات، وكان الماشي لا يقع بصره إلا على ميت أو مَن هو في سياق الموت، وكان المسافر يمر بالقرية من القرى فيرى الأبواب مفتَّحة وأهل الدور موتى وما في القرية نافخ نار.
[ ٤٣ ]
وقصّ الذهبي في تاريخه عن هذا القحط قصصًا يقشَعرّ البدن من سماعها، واستمر ذلك إلى سنة ٥٩٨.
* * *
وكان العرف القضائي في تاريخنا أنه كلما ولي قاض جديد اختار جماعة من العُدول الثقاة وأعلن أسماءهم ليُشهّدهم الناس على معاملاتهم. ولكن لم يكن لهم نظام جامع ولا مكان معروف، وأول من نظم أمر العُدول وجعل لهم مركزًا ثابتًا ونظامًا جامعًا هو شمس الدين أحمد الجوني، قاضي دمشق سنة ٦٣٥هـ.
فكان نظام كتّاب العدل المعروف اليوم من ابتكار هذا القاضي.
أما كلمة «كاتب العدل» (وهي ترجمة لمصطلح فرنسي) فقد وضعها سنة ١٩١٩ الأستاذ مصباح محرّم، رئيس محكمة التمييز في دمشق على عهد الحكومة العربية التي قامت إثر خروج الأتراك منها (١).
* * *
ومن طرائف العادات أن العمامة لم تكن معروفة للعلماء في الأندلس، وكان أكثرهم يمشي حاسرًا لا يغطي رأسَه شيء،
_________________
(١) وعلى الألسنة اليوم كلمات كثيرة استُحدِثت أعرف مَن أول من أطلقها؛ منها كلمة «عبقرية» من وضع الشيخ عبد القادر المغربي، وكلمة «فيزياء» وضعها الأستاذ عز الدين التنوخي، وهو الذي وضع كلمة «برمائية» للحيوانات التي تعيش في البرّ كما تعيش في الماء.
[ ٤٤ ]
وكانت العمائم خاصة بالقُضاة، فإذا قالوا: فلان وضع العمامة، عرفوا أنه صار قاضيًا.
ففُهِم من ذلك أن ما عليه أكثر الرجال اليوم من كشف الرأس له أصل في الأندلس، أما في غير الأندلس فلم يكن معروفًا، بل كان منكرًا، وكانوا يعدّون فعله قادحًا بالعدالة.
* * *
ومن طرائف أخبار الأندلس أن كل دار فيها فيها مكتبة، ولعل هذه العادة التي نراها اليوم في بلاد الإنكليز جاءتها من الأندلس.
ولقد احتاج عالم من العلماء (نسيت اسمه) إلى كتاب ففتش عنه، وأطال التفتيش فلم يصل إليه، ثم وجده معروضًا للبيع بيد الدلاّل في سوق قرطبة، فزاد في ثمنه ليأخذه، فزاحمه رجل يبدو عليه الثراء، وكلما زاد في الثمن درهمًا زاد الرجل خمسة، حتى عجز العالم وأخذ الرجل الكتاب. فلما صار في يده جاءه العالم منكسرًا فقال له: بارك الله لك فيه، ولكني محتاج إليه، فهل تعيرني إياه ليلة أقرؤه فيها وأرده إليك.
فقال الرجل: والله ما لي به حاجة ولا أدري ماذا فيه، ولكن أعجبني شكله، وفي مكتبة بيتي فراغ لكتاب بمثل حجمه، لذلك أخذته، فإذا كنت محتاجًا إليه هذه الحاجة فخذه هدية مني إليك.
* * *
[ ٤٥ ]
ومن غرائب الحظوظ أن أسرة بني بُوَيه كانت من أشهر الأسر التي سيطرت على الخلافة العباسية، وصبغتها بالصبغة الشيعية، وأسست ملكًا دام زمنًا، وأفسدت الأمر فيمن أفسده من التُّرك والعَجَم والمغول.
وكان بُوَيه هذا، مؤسس هذه الأسرة، صعلوكًا يصيد السمك، فرأى في منامه كأنه خرج منه عَمود نار ثم تشعب حتى ملأ الدنيا، فأوّلوه له بأنه يخرج من ولده من يملك الأرض.
ومضت السنون، ودخل الجيش فصار قائد فصيل من الجند لابن زياد الدَّيلمي، وقلّ ما بيده من المال، فاستلقى على ظهره مفكرًا مهمومًا، فرأى حية في السقف، فلحقها ليقتلها فدخلت في شق في الجدار، فبحث عنها فوجد مخبأ فيه عشرة صناديق مملوءة ذهبًا.
وطلب يومًا خياطًا يَخيط له ثوبًا، وكان الخياط أصم، فخاف لمّا دعاه وجزع وقال: والله العظيم ما عندي إلا اثنا عشر صندوقًا، أدفعها إليك فلا تقتلني، فإني لست أعلم ما فيها.
فأحضرها، فوجد فيها مالًا عظيمًا من أموال الملوك الماضين.
وكان يومًا يسير في طريق في شيراز، فساخت قوائم فرسه في حفرة، فنظر فإذا هي مدخل سرداب، فكشفه فإذا هو يوصل إلى بيت تحت الأرض فيه آثار قديمة لا تقدَّر بثمن.
* * *
[ ٤٦ ]
وفي أخبار الظاهر العباسي أن أباه الناصر، وهو -على تأخر أيامه- من أشد الخلفاء هيبة وسطوة، قد طالت مدة حكمه سبعًا وأربعين سنة، فلما جاءت الخلافة الظاهر كانت سنه اثنتين وخمسين سنة، فأبطل المُكوس وفرّق الأموال، وأزال المظالم وأظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سيرة العُمَرين (كما قال السيوطي). فقيل له: ألا حفظت الأموال وملأت الخزائن واستمتعت كما استمتع من كان قبلك؟
فقال لهم: لقد فتحت الدكان بعد العصر (يعني أن الولاية جاءته وهو كبير السن)، فمَن فتح بعد العصر إيش يكسب؟ فاتركوني أسارع بفعل الخير، فكم بقيت أعيش بعد هذا؟ (١)
* * *
_________________
(١) «الظاهر» من كِرام خلفاء بني العباس، ويستحق أن يعرفه الناس فيَدْعوا له بالرحمة على جميل صنعه وحسن سيرته. وقد نقل ابن الأثير من مآثره الكثير؛ فمنها أنه أعاد للناس الأموال المغصوبة، وأبطل المُكوس، وأعاد الخراج القديم في جميع العراق، ولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق وقالوا إن أراضيهم قد يبست أكثرُ أشجارها، فأمر أن لا يؤخَذ إلا من كل شجرة سالمة. ومن عدله أن صَنجة الخلافة (أي العِيار الذي توزن به الدراهم والدنانير) كانت راجحة في المثقال نصف قيراط، فكان عمّال الدولة يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد، فكتب إلى العمال والولاة كتابًا يأمرهم فيه باعتماد صنجة الناس، وكتب في رأس الكتاب ﴿وَيْلٌ للمُطَفِّفين﴾، فكتبوا يخبرونه أن الخزانة تخسر بذلك خمسة وثلاثين ألف دينار، فأرسل إليهم كتابه وفيه: يبطل ولو أن الخسارة ثلاثمئة ألف وخمسون=
[ ٤٧ ]
وفي دمشق جامع مشهور اسمه «جامع التوبة» في حي العُقَيبة، وهو اليوم من أحياء دمشق القديمة، ولكنه كان قديمًا قرية خارج البلد. وكان فيها خان يدعى خان الزّنجاري، قد جمع - كما قال ابن خَلّكان- أسباب اللذائذ ويجري فيه من ألوان الفسوق والمعاصي ما لا يوصف.
وبلغ ذلك الملك الأشرف، وقيل له: إن هذا لا يجوز أن
_________________
(١) = ألف دينار. وروى ابن الأثير أخبارًا مدهشة عن كرمه وسخاء نفسه وما فرّقه في الناس من أموال، وقال أيضًا: ووُجد في بيت من داره ألوف رِقاع كلها مختومة، فقيل له: لِمَ لا تفتحها؟ قال: لا حاجة لنا فيها، كلها سِعايات. ونقل السيوطي عن سبط ابن الجوزي أنه دخل إلى الخزائن يومًا فقال له خادمه: كانت في أيام آبائك تمتلئ. فقال: "ما جُعلت الخزائن لتمتلئ بل لتُفرَّغ وتُنفَق في سبيل الله، فإن الجمعَ شُغلُ التجّار". ولم يَعِش في الخلافة غير تسعة أشهر، ﵀. ومن تمام الفائدة أن يعرف الناس شيئًا عن ابنه المستنصر، وهو أبو المستعصم آخر الخلفاء العباسيين في العراق. وكان المستنصر صالحًا مُصلحًا كأبيه الظاهر، وكان جدّه الناصر يقرّبه ويسميه «القاضي» لهُداه وعقله وإنكاره ما يجد من المنكر. وكان عادلًا كريمًا شهمًا حسن السيرة، أقام مَنار الدين ونشر السنن وعمّر الطرق، وقاد الجيوش وافتتح الحصون وحفظ الثغور، وردّ التتار في مواقع عدة وأنزل بهم هزائم منكرة، وهو الذي بنى المدرسة المستنصرية ببغداد، ولولا أن أطيل لسردت عليكم من أخباره الكثير، ولكن المقام ليس يتسع لذلك كله، فاقرؤوا عنه في كتب التاريخ لتعرفوا فصلًا لا تعرفونه من أخبار دولة الإسلام. ومَلَك سبع عشرة سنة، ﵀ (مجاهد).
[ ٤٨ ]
يكون في بلاد المسلمين. فأمر بهدمه وإزالته، وأنشأ في موضعه مسجدًا جامعًا أنفق عليه جملة من الأموال، فدعاه الناس «جامع التوبة».
ومن المصادفات أن أول خطيب عُيِّن له هو جمال الدين البستي، وكان في صباه يتبع الملاهي ثم صلح وصار من الأخيار. فلما مات تولى مكانه العماد الواسطي، وكان كذلك متَّهمًا بالشراب، ثم تاب.
* * *
ومن طرائف الحوادث ما رواه ابن الأثير في «الكامل» في حوادث سنة ٤٥٦هـ؛ أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيّدون، فزعموا أنهم رأوا في برّية العراق خِيَمًا سودًا، وسمعوا منها لطمًا شديدًا وعويلًا كثيرًا وقائلًا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله عليه ويعملوا له العزاء قلع أصله وهلك أهله.
وشاع الخبر، فخرج كثير من النساء الجاهلات إلى المقابر يلطمن وينحن، وخرج كثير من سَفَلة الرجال يفعلون مثل ذلك. قال: وكان ذلك ضحكة عظيمة!
ثم قال: ولقد جرى في أيامنا نحن (أي أيام ابن الأثير) في الموصل وما والاها من البلاد مثل ذلك، ذلك أن الناس سنة ٦٠٠هـ أصابهم وجع كثير في حلوقهم مات فيه كثير من الناس، فشاع أن امرأة من الجن يقال لها «أم عنقود» مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل له مأتمًا أصابه هذا المرض! فأقيمت المآتم،
[ ٤٩ ]
وصار الناس يقولون:
يا أمَّ عنقودٍ، اعذُرينا قد مات عنقودٌ ما درينا
قال: وكل هذا فعل الأوباش (١).
* * *
هذا وعندي من أمثال هذه الطرائف ما يملأ كتابًا كبيرًا، لأني كلما قرأت كتابًا علّقت عليه بيانًا بما فيه من فوائد وغرائب وأخبار، فإذا أعجبت القراء عاودتهم بمثلها من حين إلى حين، والله المعين.
* * *
_________________
(١) ومن اعتقد أن غير الله ينفع أو يضر بلا سبب ظاهر كفر.
[ ٥٠ ]