نشرت سنة ١٩٤٦
النثر والشعر في المدارس
كنت كلما درّست الأدب العربي أعجب لما أجد من انصراف الطلاب عن نثره إلى شعره، على حين أنهم أميَل إلى النثر في الأدب الفرنسي منهم إلى الشعر، ففكرت فرأيت أن السبب في ذلك المناهج.
فالذي تقرّر المناهج تدريسه من النثر العربي في مصر والشام والعراق لا يخرج في جملته عن رسائل ميتة لا روح فيها، أو فقرات جامدة مسجَّعة أو غير مسجَّعة، ليس فيها وصف يهز القلب أو معنى يوقظ الفكر، حتى إن ما يُختار لمثل الجاحظ (وهو في رأيي أحد الخمسة الذين انتهت إليهم إمامة النثر العربي؛ الجاحظ وأبي حيان التوحيدي والغزالي وابن خلدون ومحيي الدين بن عربي) هو من المُمِلّ المُضجِر، كوصف الكتاب وصفًا هو مجموعة جمل مستقلة تشبه حِكَم أكثم بن صيفي، ليس بينها ارتباط، ولا يفسدها التقديم فيها ولا التأخير، ويصعب استظهارها وحفظها، مع أن للجاحظ المعجِب المطرِب والمبهِج المرقِص من القصص والأوصاف؛ فكان من ذلك أن رغب
[ ٢٢٩ ]
الطلاب عن أدبنا وكرهوه، وآثروا عليه الأدب الفرنسي لأنهم وجدوه أقرب إلى قلوبهم وأدنى إلى أفكارهم.
ودواء هذا الداء أن يخرج واضعو المناهج من هذه الزاوية التي حبسوا أنفسهم والطلابَ فيها إلى فضاء الأدب ورحبه، ويدَعوا الصاحب والقاضي الفاضل، وهذه الرسائلَ الباردة، وهذا الأدبَ الميّت الذي لا روح فيه ولا جمال ولا يصح أن يكون مثالًا يُحتذَى ودليلًا يُتّبَع، ولا يجوز أن يُعرَض على الطالب إلا على أنه لون من ألوان الكتابة فيدرسه دراسة المؤرخ له لا دراسة المتأدب به، ويفتشوا بين العلماء والمؤرّخين والصوفية عن ذَوي الملكات البيانية، فيجدوا فيهم من لا يُعَدّ معه أدب الصاحب وعبد الرحيم البيساني (١) إلا لعب أطفال.
أذكرُ -على سبيل المثال- ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر»، وموضوعه ظاهر من اسمه، وهو خواطر كانت تخطر له فيدوّنها في هذا الكتاب. وليس في هذا الكتاب بلاغة الجاحظ وابن قتيبة ولا صناعة ابن العميد ولا فحولة الجرجاني، ولكن فيه شيئًا ليس مثله عند أولئك جميعًا، هو هذه السهولة وهذه السلاسة، وهذا الصدق في تصوير الخواطر، وهذا الإلمام بالمسائل النفسية والاجتماعية والدينية، وما فيه من وثبات ذهنية
_________________
(١) هو القاضي الفاضل نفسه، وكان أبوه يلي قضاء بيسان في فلسطين فنُسِب إليها، إلا أن شهرته بين الناس بلقبه مقدَّمة على شهرته باسمه. وهو من أشهر الكتّاب في تاريخ الأدب العربي، كان من وزراء صلاح الدين ومن مقرَّبيه، وكان صلاح الدين يقول: "لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل" (مجاهد).
[ ٢٣٠ ]
عجيبة وما يقوم به من تحبيب الأدب إلى الطلاب. وهذا الكتاب لو نُشر اليوم على أنه لبعض الكتّاب العصريين لقامت له الصحف الأدبية وقعدت وهللت له وكبرت، وأحلّته الذروة والسنام (١).
وأذكرُ ابن السماك، هذا الرجل الذي تدل الفقرات القليلة التي رُوِيَت له على أنه أحد أفراد الدنيا في بلاغة القول وصفاء الأسلوب وعلوّ التفكير، ولم يفكر مع ذلك أحد في استقراء أخباره وتتبع آثاره (٢)، وابن حزم في «طوق الحمامة»، وابن القيّم في «روضة المحبين»، وابن داود الظاهري، والطبري، والغزالي، وابن عربي، وأبا حيان، والشافعي، وأممًا لو أَحَبَّ واضعو المناهج العناية بآدابهم لوجدوا شيئًا يُنسيهم وينسي الطلاب الصاحبَ بن عباد وأضرابَه.
* * *
_________________
(١) كتب علي الطنطاوي هذه الكلمات سنة ١٩٤٦، ولم يكن الكتاب معروفًا للناس يومئذ، ما كانت منه في الأسواق إلا نسخ قليلة من طبعة قديمة كثيرة التصحيف والأخطاء. ثم شاء الله أن ينشره هو وأخوه الشيخ ناجي الطنطاوي، رحم الله الاثنين، فظهر بعد أربع عشرة سنة من نشر هذه المقالة، سنة ١٩٦٠، وكانت تلك أول طبعة جيدة للكتاب عرفها الناس. وقد قدّم جدي للكتاب بمقدمة في أربعين صفحة، روى لنا في أولها قصة تعرّفه إلى هذا الكتاب النفيس يوم كان مدرّسًا في الأعظمية في بغداد، وهي مقدمة لطيفة مفيدة تستحق أن تُقرَأ، والكتاب كله كذلك (مجاهد).
(٢) انظر الخبر عنه واقرأ قطعة من نثره في الحلقة السابعة والثلاثين من «الذكريات» (١/ ٣٩٤ من الطبعة الجديدة) (مجاهد).
[ ٢٣١ ]
الكتب المدرسية والكتب الأدبية
زرت من سنين أحد الناشرين في دمشق، وكان عنده صديقي الأستاذ عز الدين التَّنوخي، ومعه كتاب «المثنّى» لأبي الطيب اللغوي، الإمام العَلَم قريع ابن خالويه وزميله في بلاط سيف الدولة، وقد وقع على النسخة الوحيدة منه التي ليس لها في الأرض ثانية، بدليل أنها ليست في خزانة من الخزائن العامة في الشرق ولا في الغرب، وأنه أعلن في مجلة المَجْمَع العلمي العربي السؤال عنها فلم يكن عند أحد علم بها.
والنسخة صحيحة مقابَلة بالأصل، أي بنسخة المؤلف، عليها تعليقات بخطوط كبار العلماء كابن الشِّحْنَة وغيره، فاشتغل بنَسْخها وتصحيحها ومعارضتها بكتب اللغة أمدًا طويلًا، فرأيته يعرض عليه طبعها بشرط واحد: هو أنه لا يشترط شرطًا ولا يريد مالًا ولا يبتغي على تعبه أجرًا. وعند الناشر معلّم يعرض عليه كتابًا في القراءة والمطالعة، كل عمله فيه أنه نسخ من كتب الأدب قصصًا وأحاديث كتبها في أوراق ثم جمعها فخاطها، فجعلها - بإذن الله- كتابَ مطالعةٍ للصفوف الثانوية، وهذا المؤلف يأبى إلا أن يكون أربعون في المئة من النسخ المطبوعة ثمن تعبه!
وقد مرت الآن سنوات على هذه المقابلة، طبع فيها هذا الناشر مئة كتاب مدرسي، وكتاب «المثنى» لا يزال مخطوطًا في دار أبي قيس! (١)
_________________
(١) انتظر هذا الكتاب طويلًا حتى طبعه أخيرًا المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ١٩٦٠، بعد كتابة هذه المقالة بأربع عشرة سنة (مجاهد).
[ ٢٣٢ ]
أدباء المجالس
من الأدباء مَن كنت أقرأ له فلا أبتغي بلاغة ولا لَسَنًا ولا بيانًا إلا وجدت عنده فوق ما أبتغي، فأتخيل شخصه وأتوهّمه على أوفى ما يكون عليه المتفوّه اللسِن، ثم ألقاه فألقى الرجل الساكت الصَّموت الذي لا يكاد يتكلم حتى تكون أنت الذي يسأله ويدفعه إلى الكلام، وإذا تكلم أخفى صوته ولطّف حروفه حتى لا يُسمَع منه ولا يُفهَم عنه. ومن الأدباء من ألقاه في مجلس فأجد المحاضر الفيّاض الذي ينتقل من نكتة إلى نكتة ومن قصة إلى أبيات من الشعر، فيبتدع لها المناسبات ويلقيها بصوت قوي، ويتكئ على الحروف ويعظّم مخارجها، فأُكبره وأعظمه وأسأله أن يكتب مقالة أو ينشئ فصلًا، فيفرّ منه فرارًا ويسوّف ويعتذر فإذا أُحرِج وكتب جاء بشيء هو أشبه بسفرة المُسَحِّر، فيها من كل طعام لقمة، ولكن الحلو مع الحامض والحار مع البارد، وكل طعام مع طعام.
وقد تتبعت أحوال هؤلاء، فوجدت أكثرهم على غير علم ولا اختصاص، ولا يطالع بجِدّ ولا يبحث بإمعان، ولا تدع له المجالس وقتًا لدرس ولا بحث، وإنما يحفظ الرجل منهم طائفة من الأخبار الأدبية والنوادر فيحملها معه أيامًا يعرضها في كل مجلس، ويعيدها بعينها حتى ترِثّ وتَبلى وتصبح كالثوب الخَلق، فيعمد إلى غيرها فيصنع به مثلما صنع بها، ولا يدرك الناس الفرق بينه وبين الأديب المبدع الباحث، فيطلقون على الاثنين اسم «الأديب».
فمتى يميز الناس بين الأديب الحق، وبين أديب المجالس؟
* * *
[ ٢٣٣ ]
حرية الكتابة
لست أدعو في هذه الكلمة إلى سلب الكتّاب حرية الكتابة، ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التديّن والتخلق بكريم الأخلاق.
وإن لكل حرية حدودًا لا ينبغي لها أن تعدوها، وإلا كانت حريةَ المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون. أنت حر في دارك، ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتونًا للفحم ولا ماخورًا للفجور، ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود. وأنت حر في نفسك، ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة، ولا تقدر أن تلقي الصحون وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد، أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمّام، أو أن تصرخ في المستشفى أو تغني في المأتم! وأنت حر في قلمك، ولكنك لا تملك أن تدعو إلى هدم استقلال وطنك، والخروج على قوانين بلادك إنهم يمنعونك ويُسكتونك ويضربون -إن فعلتَ- على يدك.
فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله، وتهدم الأخلاق، وتُخرج الناس على الدين، والأخلاقُ أساس الاستقلال والدين أَوْلى من القانون؟ وكيف صحّ ذلك المنع وساغ ولم يمسس حرمة هذه الحرية ولم يَنَلْ من قدسيتها، ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدوانًا على حرية الكتابة وإلحادًا فيها؟
أوَليس من عمل الحكومة الذي كانت من أجله الحكومات أن تقر الأمن في الأمة، وتضمن لها العزة والسيادة بين الأمم؟
[ ٢٣٤ ]
إنه لا يكون أمن أو تكون عزة إلا بالخلق المتين وبالدين، فإن ذهبا لم يخلفهما شيء. وما القانون؟ هو الشرطي، فإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي أو يناله العقاب، ركب في طريق الغواية رأسَه فلم يردّه شيء. أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمُه أن الله مطّلع عليه في سره وعلنه، وأما صاحب الخلق فربما رده خلقه وعصمه الله به. فلماذا نهدم بأيدينا هذين الحصنين، وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور؟
أوَمِن العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيّع عقائدهم، وتحمي جسومهم من القَتَلة وتبيح قلوبهم، وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملًا يسرقها ويعبث بها كل صحفي مفسد وشاعر ماجن وكاتب خبيث؟
سيقولون: حرية الكتابة.
نعم، إنها حرية ينبغي أن تصان وتُضمَن، ولا يُعتدَى عليها ولا يُنال منها، ولكن الدين والأخلاق ينبغي -كذلك- أن يُصانا وأن يُضمَنا وأن لا يُعتدَى عليهما ولا يُنال منهما. فإن تعارض الأمران فلنحمل أخف الضررين ولنقبل بأهون الشرّين، وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة أحيانًا لنحفظ الدين والشرف، لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ «حرية الكتابة»، ونقول لكل صاحب نِحلة ضالّة أو هوى خبيث أو رأي هدّام: اكتب ما تريد واطبعه، وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا ونَصُبّه في عقولهم وننشّئهم عليه!
[ ٢٣٥ ]
ونحن اليوم في مطلع حياة جديدة، وقد غيرت هذه الحرب (١) المقاييس وبدّلت قِيَم الأشياء في أفهام الناس، وكانت امتحانًا قاسيًا للأمم، لم تنجح فيه أمة فشا فيها الفجور وعمّت الفاحشة وضعفت الرجولة ونُسيت العقيدة. ولن يدوم نجاح لأمة لا تزال تستهين بالعفاف وتميل إلى المجون وتؤمن بالكفر، وحسبنا فرنسا مثلًا معروضًا لكل ذي عينين تبصران وعقل يفكر.
فلنعتبر بغيرنا قبل أن نصير عِبرة للمعتبرين، ولتفهم حكوماتنا أنه لا حياة لنا إلا إذا أنشأنا من أبنائنا جيلًا مؤمنًا متين الخلق، ظاهر الرجولة، مقبلًا على الجِدّ عارفًا بالواجب عليه. فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتّاب (أعني بعضهم) ينقض كل يوم حجرًا من صرح الأخلاق ويوهي جانبًا، وينشر في الناس حديث الشهوة البهيمية، ويستكثر من القراء بإثارة أحط الغرائز البشرية، لم ننشئ -والله- إلا جيلًا رَخوًا ضعيفًا، هَمُّه شهوته ومطلبه لذته، قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ثم نبني بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا، ونأخذ بين الأمم مكاننا؟!
إن المسألة أكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ: «حرية الكتابة» و«حرية الفكر». إنها مسألة حياة أو موت!
* * *
وما في نشر الفاحشة صعوبة ولا يحتاج إلى عبقرية أو بلاغة
_________________
(١) الحرب العالمية الثانية، ونُشرت هذه المقالة في السنة التالية لخروج العالَم منها (مجاهد).
[ ٢٣٦ ]
أو أدب أو نبوغ، وحسب الرجل أن ينشر في كتاب ما يُطوى في الخلوة، أو أن يظهر في صورة ما يستر من العورة، حتى ينال منه ما يريد.
فتجرأ الناس على الأدب واقتحموا حِماه من غير أن يُعدّوا لذلك عدته، من وقوف على اللغة وأساليبها، واطلاع على صرفها ونحوها، ونظر في رسائل بلغائها ودواوين شعرائها وفيمَ هذا العناء كله، وأدب الشهوة لا يحتاج إليه ولا يعتمد عليه؟ وما هي إلا سهرة في الخمّارة أو ليلة في المرقص، حتى تجمع أسبابَه كلها ومقوماته!
طُبع في دمشق منذ سنة كتاب صغير، زاهي الغلاف ناعمُه، ملفوف بالورق الشفّاف الذي تُلَفّ به علب الشكلاطة في الأعراس، معقود عليه شريط أحمر (كالذي أوجب الفرنسيون -أولَ العهد باحتلالهم الشام- وضعه في خصور بعضهن ليُعرَفن به!) فيه كلام مطبوع على صفة الشعر، فيه أشطار طولها واحد إذا قستَها بالسنتيمترات، يشتمل على وصف ما يكون بين الفاسق القارح والبغيّ المتمرسة المتوقحة، وصفًا واقعيًا لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل غني عزيز على أبويه، وهو طالب في مدرسة، وقد قرأ كتابَه الطلابُ في مدارسهم والطالبات!
وفي الكتاب -مع ذلك- تجديدٌ في بحور العَروض؛ يختلط فيه البحر البسيط بالبحر الأبيض المتوسط! وتجديدٌ في قواعد النحو، لأن الناس قد مَلّوا رفع الفاعل ونصب المفعول، ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهم مقيمون عليه، فلم يكن بُدٌّ
[ ٢٣٧ ]
من هذا التجديد! ومع ذلك فقد قرأنا في الجرائد من نحو شهر أن صاحب هذا الكتاب قد دُعي إلى محطة الإذاعة في القاهرة ليذيع منها شعره، رغبة منهم بنشر الأدب السوري وتوثيقًا للتعاون الثقافي بين الأقطار العربية!
وإذا نزلت بهذا الأسلوب دركة أخرى، وجعلت الموضوع كله في وصف بنات «المحل العمومي» وما يكون منهن وصفًا سافرًا مفصَّلًا، جاء معك ديوان «قالت لي السمراء» لنزار قباني الذي صدر في دمشق منذ سنتين! وإذا زدت لغة هذا الديوان لعنة على لعنتها، وأسلوبَه عَمىً على عَماه، وموضوعَه فجورًا على فجوره، جاء معك ذلك الكتاب الذي أصدره في دمشق من نحو عشر سنين موظف عامي صغير في دائرة الصحة (١).
وهاكم مثالًا آخر؛ هو الكتاب الذي صدر في دمشق منذ عهد قريب، واسمه «مختصر تاريخ الحضارة العربية». وقد وُضع لطلاب المدارس الثانوية، ونصف مباحثه في القرآن وعلومه، والحديث وفنونه، والفقه أصوله وفروعه، والكلام، والفِرَق الإسلامية وعقائدها والذي راع صدورُه العلماءَ لما فيه من التخليطات التي يُكفَّر بمثلها المؤمن ويُجَهَّل العالم، ويُضحَك منه على ذقن قائله. وألّف مفتي الجمهورية لجنة للنظر فيه، فنظرت فوجدت فيه من الغلطات ما لا ينتهي العجب من صدوره ممن ينتسب إلى العلم ولو من وراء خمسة جدود، فكان مثال مؤلفيه
_________________
(١) ولن أسمّيه حتى لا أدلّ الناس عليه، فقد نُسي الكتاب ونُسي صاحبه بحمد الله.
[ ٢٣٨ ]
فيه كالنحوي إذا ألف في علم التشريح والكيميائي إذا كتب في فن التمثيل!
على أن النظر في الغلاف إلى اسم مؤلفَيه يُبطل هذا العجب، لأن أحدهما اسمه جورج كذا، والآخر اسمه من أسماء المسلمين، ولا أعرف عنه ولا عن زميله شيئًا، ولكن أبحاث الكتاب تدل على أن هذا المسلم أجهل بعلوم المسلمين من الخواجة جورج!
إنها حرية الكتابة، فليتعلم طلابنا الأباطيلَ على أنها حقائق، والأوهام على أنها الإسلام، ويحفظوها ليؤدّوها يوم الامتحان، ما دامت هذه الحرية مَصونة وما دام الكلام في الحد منها عدوانًا على الفكر المقدس!
* * *
[ ٢٣٩ ]