نصوص الدراسة الأدبية
حديث أذيع نحو سنة ١٩٦١
كنت قاعدًا أفكر في موضوع أتحدث به إليكم (وأصعب شيء على المحدّث اختيار الموضوع، لا سيما إذا كان مثلي يحدث الناس من قديم، من أكثر من ربع قرن)، وإذا بي أسمع من رادّ الجيران أغنية: «أراك عَصِيّ الدّمع شيمتُك الصبرُ».
وأنا قديم الإعجاب بهذه القطعة، فهي من أروع ما قال أبو فراس. فانصرفت أتتبع الرادّ بسمعي، وإذا بي أنتبه إلى شيء عجيب في هذه القطعة لم أنتبه له من قبل.
بيتٌ فيها يوحي إلى سامعه بما يأباه الدين وينكره الخلق الرفيع، لأن الدين والخلق يدفعان إلى الإيثار وحب الناس، وهذا البيت يدفع إلى الأثَرَة (أو الأنانية كما يُقال اليوم) وحبّ الذات، بل إن فيه أبشع صور الأنانية وأبعدها عن الخلق القويم؛ هو قوله: «إذا مِتُّ ظَمْآنًا فلا نَزَل القَطْرُ».
انظروا كم بين قوله هذا وبين قول المعري:
فلا نَزَلت عَليّ ولا بأرضي سَحائِبُ ليس تَنتظمُ البلادا
[ ١٨٩ ]
أبو فراس ينحطّ إلى أدنى دركات الأثرة والأنانية، لا يرتفع فيهتمّ بأهلٍ أو ولد، ولا يرتفع درجة أخرى فيهتم ببلد أو وطن، إنه لا يبالي إلا بنفسه، فإذا مات عطشان فلينقطع المطر وليحترق الزرع ولتُقفر الأرض وليعمّ القحط، وليهلك القريب والبعيد والعدو والصديق، ولا يبقَ أحد. والمعرّي يرتفع إلى أعلى درجات الإيثار، فلا يرضى أن ينزل المطر عليه ولا على أرضه وحدها، لا يرتضي إلا غيثًا عامًّا يشمل خيرُه البلادَ والعباد.
كم بين هذا وبين قوله في ذلك البيت: «إذا مِتّ ظمآنًا فلا نزل القطر»!
ومثله البيت الآخر:
ونحن أناسٌ لا تَوَسُّطَ بَيْنَنَا لنا الصّدرُ دون العالَمين أو القبرُ
الصدر أو القبر؟ أما من توسط بينهما؟ هذا -والله- أسوأ منهج في الحياة.
أي أنك إذا ركبت في سفينة ومعك أهلك وولدك وأوشكت على الغرق فقال لك الربان: ألقِ في البحر نصف أمتعتك تخلص من الغرق، قلت: لا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر؛ فإما أن أنجو بمتاعي كله أو أن أموت أنا وأهلي! وأن الطالب في الامتحان إذا ألقي عليه سؤال رأى أنه إن أجاب عليه نال درجة النجاح ولكن لم يَنَلْ درجة التفوق قال: لا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر، فإما مئة على مئة وإما الصفر! والتاجر إذا أمّل أن يربح في البضاعة ألفًا فنقص ربحه مئتين ركب رأسه وقال: لا، لنا الصدر، وآثر أن يخسر ثمن البضاعة كله عن أن ينقص ربحه مئتين!
[ ١٩٠ ]
إن من المؤسف أن هذا البيت قد جرى على ألسنة الناس واتخذه كثير منهم منهاجًا لحياتهم، فأضاع على مَن أخذ به خيرًا كثيرًا.
* * *
وأنا أتمنى أن ينتبه إخواننا مدرّسو الأدب العربي، فلا يقتصروا على بلاغة اللفظ حين يختارون النصوص والشواهد للطلاب. إن بلاغة اللفظ هي المعيار الأول للكلام في رأي أستاذ الأدب، ولكنها لا تكفي وحدها؛ بل يجب أن ينظر إلى ما تثيره في نفس الطالب من ميول، وما توحي به من توجيه في الحياة، وما يكون لها من أثر في الخلق وفي السلوك.
وإن خطبة زياد -مثلًا- من أبلغ الخطب، وخطبة الحجاج مثلها، وهما نافعتان في تقويم المَلَكة الأدبية، ولكن ما توحيان به من توجيه سيءٌ جدًا، ففيهما إعلان خطة الظلم التي ينكرها الإسلام في أخذ البريء بالمجرم في خطبة زياد (١)، وطريقة الاستبداد التي يأباها الدين في حزم الناس حزم السَّلَمة وضربهم
_________________
(١) خطبته المشهورة «البتراء»؛ سُمِّيت كذلك لأنه بدأها بغير الصلاة على النبي ﷺ، ومما قاله فيها: ألا إنّا قد سُسْنا وساسَنا السّائسون، وجرّبْنا وجرّبَنا المجرِّبون، وإنا وجدنا هذا الأمر لا يُصلحه إلا شدةٌ في غير عنف ولينٌ في غير ضَعف. وأيْمُ الله إنّ لي فيكم صَرْعَى، فليحذَرْ كلُّ رجل منكم أن يكون من صَرْعاي، فوالله لآخُذَنّ البريءَ بالقَسيم (قَسيمُك هو الذي يقاسمك مالًا أو أرضًا أو دارًا بينك وبينه)، والمطيعَ بالعاصي، والمقبلَ بالمدبر، حتى تلين لي قناتكم وحتى يقول القائل: «انْجُ سعدٌ فقد هلك سُعَيْد» (مجاهد).
[ ١٩١ ]
ضرب غرائب الإبل في خطبة الحجّاج (١).
وفي دراسة نقائض جرير والفرزدق أدبٌ كثير، وفيها -كما قال يونس- ربع اللغة، وهي أنفع شيء في إقامة اللسان وتقوية السليقة، ولكنها توحي بتحسين الأعراف الجاهلية في الحياة، تلك الأعراف التي كان إبطالها من جملة أغراض الإسلام. وفي شعر بشار وأبي نُواس وأمثالهما أدبٌ كثير، ولكنّ فيه هدمَ الأخلاق ونشرَ الفساد. وفي شعر أبي العتاهية أدبٌ كثير، ولكنّ فيه قتلَ الطموح والاستسلامَ إلى اليأس. وكذلك المتنبي في تزوير التاريخ وتشويه الحقيقة، حين يرفع سيف الدولة وهو طاغية ظالم (وإن كان قائدًا مظفَّرًا) ويخفض كافورًا وهو من أصلح الملوك
والشواهد كثيرة، وأنا ما أردت الاستقصاء لكن التمثيل، لأبيّن أن أستاذ الأدب يستطيع أن يكون موجِّهًا ومُصلحًا إذا لم يكتَفِ -عند اختيار النصوص للدراسة والاستظهار- ببلاغة لفظها وصفاء ديباجتها، بل ينظر إلى ما توحي به من خُلُق وما تشتمل عليه من توجيه.
* * *
_________________
(١) السَّلَم نوع من الشجر، واحدته سَلَمَة. وكانت هذه أولَ خطبة خطبها الحجّاج في الكوفة لمّا ولي العراق أيام عبد الملك، قال فيها: "ألا إن أمير المؤمنين كَبَّ كِنانتَه فعَجَم عيدانَها فوجدني أصلبَها عودًا، فوجّهني إليكم أما والله لألحُوَنَّكم لَحْوَ العصا (يقال: لحا العودَ أو الشجرةَ لَحْوًا: قَشَرها)، ولأعصِبَنّكم عَصْب السَّلَمة، ولأضربنّكم ضربَ غرائب الإبل "، وهذا مثل ضربه للناس يهدّدهم به، ذلك أن الإبل إذا وردت الماء فدخلت عليها غريبةٌ من غيرها ضُربت وطُردت حتى تخرج منها. انظر «العقد الفريد» ٥/ ١٨ (مجاهد).
[ ١٩٢ ]