حديث أذيع نحو سنة ١٩٦٩
السبب في أن عنوان هذه السلسلة «بلا عنوان» هو أني وجدت المدرّس إذا التزم الجِدّ الحصةَ كلها ولم ينفّس عن الطلاب بنكتة أو نادرة مَلّوا درسه، وأن المائدة إذا كانت كلها لحمًا وشحمًا وسمنًا لم يكن فيها أبازير ومشهّيات انصرفت النفوس عنها. فأحببت أن تكون هذه السلسلة «بلا عنوان» لأحدّث مرة في الموضوع الأصلي وألتزم طريق الجِدّ، وأقف مرة لأستريح وأريح القراء وأخفف عنهم ثقل الجِدّ بنكتة أو نادرة.
ولقد كان رسول الله ﷺ يمزح ولكن لا يقول إلا حقًا. جاءته امرأة عجوز من الأنصار فقالت له: ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال لها: إن الجنة لا تدخلها عجوز. فولّت وهي تبكي، فقال لها: أما قرأت قوله تعالى: ﴿إنّا أنْشَانَاهُنَّ إنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾؛ أي أنها تعود في الجنة شابة. وجاءه مرة بدوي يطلب منه أن يحمله على جمله، فقال له رسول الله ﷺ: «لا أحملك إلا على ولد الناقة»، قال الرجل: إنه لا يطيقني! فقال له الناس: ويحك، وهل الجمل إلا ولد الناقة؟
وكان أصحاب محمد ﷺ يتمازحون حتى إنهم يتبادحون
[ ٧١ ]
بالبطيخ؛ أي يرمي كل منهم قطعة البطيخ على صاحبه، فإذا جاء الجِد كانوا هم الرجال. وسُئل الشَّعبي: أكان أصحاب محمد يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال.
وكان من أصحاب رسول الله ﷺ رجل اسمه نُعَيمان كثير المزاح، ومن مزحه أنه رأى مَخْرمَة بن نوفل (وكان ضريرًا، ولا يعرفه)، فقال له: دلّني على مكان أبول فيه، فجاء به إلى مؤخرة المسجد. فلما قصر ليبول صاح به الناس: إنك في المسجد! قال: من قادني؟ قالوا: نُعيمان. قال: لله عليّ إن وصلت إليه لأضربنه بعصاي. ومرت أيام، فجاءه نعيمان فقال: أتحب أن أدلّك على نعيمان؟ قال: نعم. قال: ها هو ذا. وقاده حتى أوصله إلى عثمان ابن عفان وهو قائم يصلي. فرفع عصاه فضربه، فصاح به الناس: ويلك، تضرب أمير المؤمنين! قال: من قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: والله لا تعرضت له أبدًا.
وهذا مزاح ثقيل وربما كان يجاوز كل حدود المزاح المألوف، ومع ذلك قبله الصحابة لأنه مزاح، ولو أخذوه على أنه جِدّ لكان نصيب نعيمان العقوبة الشديدة الرادعة. ومن شاء أن يطّلع على مزاح رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين والأئمة، فلينظر كتاب «المِراح في المِزاح» للغَزّي.
* * *
فأنا جعلت أحاديث هذه السلسلة بلا عنوان لأحدّث تارة حديث التسلية والفكاهة، وتارات حديث الجِدّ والفائدة. ولقد أدركنا من مشايخنا من كان يحدثنا عن نفسه بما لو حدث به اليوم
[ ٧٢ ]
مدرّس لَعُدّ من الغرائب.
شيخنا عبد القادر المبارك ﵀، الذي كان راوية العصر وكان من أيسر محفوظاته «القاموس المحيط»، حدّثنا مرة في الفصل أن إخوانه كانوا يعيبون عليه أنه -لاشتغال فكره بمسائل اللغة والأدب- يسلّمون عليه في الطريق فلا يردّ السلام، فعزم يومًا على أن يكون متنبهًا، فسمع وهو خارج من بيته وطء خطوات جاره على بلاط الزقاق، فلما اقترب منه قال له بصوته الجهوري العجيب: "وعليكم السلام"، ثم التفت ليراه فإذا هو بغل الطاحون، أرسله صاحبه إلى البِرْكة ليشرب!
وكنت يومًا من أيام الدراسة في مصر، فركبت الترام مع أستاذ جليل من مشايخ الأزهر، وكان معروفًا بثقل الجسم وخفة الروح، وكان الترام مزدحمًا، فقعد أمامنا رجل رومي (خواجة) ووضع رجلًا على رجل، فأصاب بطرف حذائه جبة الشيخ السوداء، فنبّهه ليُنزل رجله، فقال له: أنا خُرّ (يعني حر). فهممت به، فوكزني الشيخ بيده أن أتركه، فتركته وأنا مغتاظ، وإذا بالشيخ يمد رجليه الاثنتين بالحذاء فيضعهما في حضن الخواجة! فقال الخواجة: إيه ده يا حضرة الشيخ؟ فقال له الشيخ: أنت خر، أنا خُرّين. وارتجّ الترام من الضحك، وهرب الخواجة.
وكان في الشام رجل صالح زاهد حقيقة اسمه الشيخ أحمد الحارون، ﵀، وكان الناس يعتقدون أنه من أهل الكرامات، وهو لا يدّعي شيئًا من ذلك. قصّ علينا بلسانه أنه جاءه مرة رجل في اليوم الثامن من ذي الحجة يسأله أن يرسله إلى الحج، أيام كان السفر إلى الحج يستغرق في البر أو البحر أسبوعًا على الأقل.
[ ٧٣ ]
فقال له: كيف آخذك إلى الحج والوقفة غدًا؟ قال: إنك من أهل الكرامات، وقد خبّروني أنك تستطيع أن توصلني إلى مكة. فقال له: يا أخي، إن الذي خبّرك قد سخر منك. أنا لا أستطيع أن أوصل نفسي الآن إلى مكة، فضلًا عن أوصلك. فقال: بل تستطيع، أنت من أهل الكرامات، قد خبّروني بذلك.
ولازمه لا يفارقه، فقال له: هل تكتم كل ما أصنعه معك ولا تخبر به أحدًا؟ قال: نعم. قال: وتقسم على ذلك؟ فأقسم له، وزاد على القسم طلاق امرأته ثلاثًا إذا خبّر أحدًا. قال له: امشِ معي.
فأخذه إلى مسجد التكية السليمانية في الشام، وفيها بركة ماء مربَّعة طول كل ضلع من أضلاعها عشرة أذرع، ولكن عمقها قليل. وكان المسجد خاليًا في تلك الساعة من النهار، فقال له: قف على حافة البركة، فوقف. قال: أغمض عينيك. فأغمض عينيه، فدفعه الشيخ إلى البركة وهرب! فصاح وتخبط، فاجتمع نفر من المارة سمعوه فأخرجوه والماء يقطر منه. قالوا: كيف سقطت؟ من رماك؟ قال: لا أستطيع أن أقول!
* * *
عندي من أمثال هذه الأخبار الكثير، ولكن الوقت انتهى، ولعلي أعود إلى مثلها في وقت آخر. والسلام عليكم ورحمة الله.
* * *
[ ٧٤ ]