حديث أذيع سنة ١٩٧٤
تكلمت البارحة كلامًا عامًا توجّهت به إلى السامعين من متعلمين وغير متعلمين ومن الرجال ومن النساء، حاولت فيه أن أنشر من حولهم أَرَج المحبة وصفاء الود ومحو الخلافات أو تناسيها، وأنا أحب أن أوجه الليلة مثل هذا الكلام إلى إخواني العلماء والدعاة على وجه التخصيص، لا إلى علماء هذا البلد وحده، بل إلى علماء كل بلد يصل إليه كلامي فيسمعه أو يُنقَل إليه فيعيه ويفهمه.
وأنا أقوله والله بإخلاص، ولست أحمل لأحد من العلماء ضِغنًا ولا بغضًا، وكيف أحذّر من شيء وأنا مبتلى به، فأكون كمَن يأمر الناس بالبِرّ وينسى نفسه؟ وأنا أعوذ بالله من أن أكونه.
نحن نحتاج إلى الدعوة إلى الله، فمن الذي يدعو إليه وإلى دينه؟ ونحن نحتاج إلى من يعلّم الناس الإسلام ويشرحه لهم، فمن يشرح للناس الإسلام؟ الجَهَلة والفُسّاق؟ العلماء طبعًا.
وأنا أعرف من العلماء عشرات وعشرات في كل بلد زرته (وقد زرت أكثر بلاد الإسلام)، علماء هم في الفهم والعلم
[ ٦١ ]
والصلاح والتقوى على قَدَم العلماء العاملين من السلف الصالح. ولكنهم ما خرجوا عن كونهم بشرًا، فبين بعضهم وبعض خلاف، خلاف شخصي حينًا، واختلاف في فهم الإسلام أحيانًا. واسمحوا لي أن أذكر أمثلة عن هذه الاختلافات. ولست بذكر الأمثلة أقول إنها كلها صواب، ولا أقرّها كلها، ولكني أذكر الخطأ والصواب لأبيّن مدى الاختلاف بينهم.
من العلماء من يرى الإسلام في اتّباع أحد المذاهب الأربعة، ومنهم من يرى ترك التقليد والأخذ من الكتاب والسنة رأسًا، ومنهم من يسلك مسلك السلف، ومنهم من يلتزم بطريقة من الطرق الصوفية، ومنهم من يُؤثر رأي عالم من العلماء غير المذهبيين كابن حزم مثلًا، ومنهم من يرى التنفير من آرائه والدعوة إلى تركها، ومنهم من يأخذ آدابًا معينة من آداب الإسلام، يقتصر عليها ويعلّمها تلاميذه على أنها هي الإسلام.
ولا يقتصر الأمر على هذا الاختلاف، بل إن كل واحد يرى الحق فيما هو عليه ويجادل المخالفين له، وقد انتقل هذا الاختلاف في الفهم وهذا الجدال بين أهله إلى الشبّان.
ولقد عدت إلى دمشق في هذا الصيف بعد غيبة امتدت أربع سنوات، فوجدت ظاهرة غريبة عجيبة، هي رجعة الشبّان والشابات من طلبة الجامعات وطالباتها إلى الإسلام، رجعة بقوة وحماسة واندفاع، وإقبال الشبان على مجالس العلماء والدعاة والفتيات على دروس الداعيات. وأشهد أن هؤلاء الشبان والشابات قد بلغوا الغاية في عمق الإيمان، وصدق التدين، واستقامة السيرة،
[ ٦٢ ]
والإقبال على العلم والعبادة، ولكن سرى إليهم داء الاختلاف والجدال، فتفرقوا وأضاعوا وقتهم في المناقشات، وجعلوا بأسهم بينهم بدلًا من أن يكون بأسهم على عدوهم وعدو دينهم.
ومن هؤلاء المشايخ مَن نسي أن الدين بُني على خمس، هي الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج، ويتخذ لنفسه أصولًا يبدأ الشبّان بها ويبذل أكبر جهده في سبيلها، وقد تكون من فروع الفروع؛ كمن يأتيه الشاب الذي يجهل ما هو الإسلام فيعلمه أورادًا معينة من أوراد الطريقة قبل أن يعلمه أحكام الطهارة والصلاة، أو يلزمه بتطويل لحيته قبل تصحيح عقيدته، فيظن أن اللحية هي عماد الدين، فإذا طولها فسخر منه رفاقه أو ناله بالأذى مجتمعُه فحلقها، ظنّ أنه خرج من الإسلام بهدم عموده فترك الصلاة وأتى المحرمات.
فالإصلاح إذن يكون باجتماع هؤلاء العلماء، من سلفيين وصوفيين وآخذين بالحديث ومقلدين لأحد المذاهب، فإذا اجتمعوا نظروا في المسائل التي يختلفون عليها والمسائل التي يتفقون عليها، فما كانوا متفقين عليه تعاونوا جميعًا على الدعوة إليه، وما كانوا مختلفين فيه عرضوه على كتاب الله وسنة رسوله الثابتة الصحيحة، فإن كان شيء مخالفًا لذلك تركوه أو أعلنوا مخالفة من يقول به للإسلام، وما كان من المسائل الفرعية الاجتهادية التي ليست من أصول الدين ولا يضر الاختلاف فيه بقي كلٌّ على رأيه، ولكن لا يدعو إليه ولا يناقش فيه.
أي أننا نأخذ بكلمة أخينا الشهيد مجدّد الإسلام في هذا العصر، الشيخ حسن البنا ﵀، وهي أننا نتعاون فيما اتفقنا
[ ٦٣ ]
عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. وهو يقصد طبعًا الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي يسوغ الشرع الاختلاف في مثلها توسعة على الناس، أما الأمور التي تمسّ أصل العقيدة، أو يكون فيها تحليل حرام متفَق على حرمته، أو تخالف ما أجمع عليه المسلمون وعُلِم من الدين بالضرورة، فهذه لا يمكن التساهل فيها.
وهم جميعًا متفقون على وجوب محاربة الإلحاد، من أي فم خرج ومن أي طريق جاء. وهم متفقون على وجوب مكافحة الفواحش في أي بلد كانت ومن أي من الناس صدرت. وهم متفقون على وجوب إقامة الفرائض، ونشر الفضيلة، ومطاردة الفساد، والترغيب في الجهاد لإنقاذ قبلة المسلمين الأولى.
فليتفق العلماء إذن على قصر جهودهم كلها على هذه المسائل ويتعاونوا جميعًا عليها، وليؤجّلوا البحث في المسائل الخلافية التي تفرق الجَمع وتشتّت الشمل وتشغلنا بأنفسنا عن عدونا.
* * *
إن أمامنا معركة هي معركة كفر وإيمان، فلنوفر قوانا كلها لها، ولا نجعل بأسنا بيننا، ولا نشتغل عن المعركة الأصلية بمسائل فرعية لا يضرّ الاختلاف فيها.
والغريب أن هذا الكلام -على وضوحه وصحّته- يحتاج كما يظهر إلى زمن طويل وجهد كبير حتى يقتنع به الدعاة ويجعلوه واقعًا.
* * *
[ ٦٤ ]