إن من الأَعلام من تغلب عليه صِفَةٌ فهو يُعرَف بها، أو سِمَةٌ فهو يُنسَب إليها؛ فإذا ذُكر لك الإسكندر -مثلًا- أو صلاح الدين تصوّرتَ حياة حافلة بالمعارك والفتوح، وإذا سمعت بالطبري أو النووي تخيّلتَ حياة غنية بالدَّرس والتأليف، وهكذا. فأي شيء يخطر ببالك إذا فكرت بعلي الطنطاوي؟
قد يقول قائل: العلم الوَفير والثقافة المتنوعة، ويقول آخر: الكلمة الحلوة والأسلوب الجميل، ويقول ثالث ورابع: الحديث الجذّاب والإلقاء الساحر، وروح الفكاهة والشخصية الآسرة وكل واحد من هؤلاء مُصيب، غير أنه لم يمسّ إلا عَرَضًا وفاته الجوهر. لقد كان علي الطنطاوي صاحبَ علم وفير وأسلوب جميل وحديث جذّاب، إلى غير ذلك، ولكن هذه جميعًا كانت أدوات سخَّرَها واستعملها في دعوته إلى الله وسعيه إلى الإصلاح.
فلو أن سائلًا سألني: "كيف تلخّص حياة علي الطنطاوي؟ صِفْها في عشر كلمات". لقلت له: لا أحتاج إلى عشر، آخذ ثلاثًا وأردّ لك سبعًا. لقد صرف حياته «في الدعوة والإصلاح»، ﵀ وأجزل له الثواب.
* * *
[ ٥ ]
لقد سعى علي الطنطاوي خلال حياته كلها إلى الإصلاح، وجَهَدَ واجتهد وجاهد في سبيله: إصلاح العقيدة والعبادة، وإصلاح السلوك والأخلاق، وإصلاح التعليم والتربية، وإصلاح اللغة والأدب، وإصلاح حياة الناس الاجتماعية والأُسَرية، وإصلاح الحكومات والمحكومين.
في الدين والاعتقاد حارب الدعوات الباطلة والنِّحَل الباطنة والبدع والخرافات ودعا إلى الإسلام النقيّ الصحيح، وفي المجتمع والحياة العامة حارب التحلل والتكشف والفجور والاختلاط ودافع عن الاستقامة والعِفّة والفضيلة، وفي الأخلاق الاجتماعية حارب الكذب والغش والنفاق والالتواء والظلم والعدوان والرذائل كلها ودعا إلى نقائضها من الفضائل وكرائم الأخلاق، وفي اللغة والأدب حارب الضعف والحداثة ودافع عن العربية وانتصر للأسلوب العالي والبيان الراقي والشعر الأصيل الموزون وأنّى ذهبتَ في مجالات الحياة وجدت يده ممدودة فيه بالإصلاح.
لقد كان حربًا على الآثام كلها وداعيًا إلى كل فضيلة، وحيثما كانت الخِيرَة بين خير وشر كان حربًا على الشر نصيرًا للخير داعيًا إليه مدافعًا عنه.
ولئن أعانه على جهاده الطويل هذا ما آتاه الله من أسلوب وفصاحة وبيان، وما حباه به من اندفاع وشجاعة وجرأة وصلت به أحيانًا إلى درجة التهوّر، وما درج عليه من الثورة على العادات ومخالفة المألوف، فإن الذي دفعه في هذا الطريق في المقام الأول هو الإيمان العميق الذي غُرس في قلبه، والروح المتوثِّبة التي حملها بين جَنْبَيه، وموهبته النادرة في الانتباه إلى الخطأ مهما
[ ٦ ]
دقَّ وصَغُر، والإحساس بالخطر مهما خفي وبَعُد؛ فكان من دأبه أن ينبّه الناس إلى الخطر قبل أن يدنو منهم الخطر، ويحذّرهم من السيل قبل أن يدهمهم السيل، وكان كالمنارة التي تصرف السفن عن اقتحام صخور البر في الليلة العاصفة الظَّلْماء، أو الشعاع الذي ينير الطريق للجَمْع المضطرب في الفتنة الغاشية الدَّهْماء، وكان في قومه النّذيرَ العُرْيان.
* * *
وبعد، فهذا هو الكتاب السابع الذي وفّقَ الله -بفضله وكرمه- إلى إصداره بعد وفاة جدي ﵀. ولئن كنت قد اخترت له هذا العنوان، «فصول في الدعوة والإصلاح»، فإنني أعترف بأن ما فيه من أحاديث ومقالات ليس سوى عينة صغيرة مما أنفقه في حياته من جهد في الدعوة وفي الإصلاح. ولو أنّي توسعت لجعلت عنوان هذا الكتاب اسمًا جامعًا لمؤلَّفات علي الطنطاوي كلها، بل لكتبه وأحاديثه وخطبه ومحاضراته جميعًا؛ فهو كان داعيًا مُصلحًا في كل ما حدّث وحاضر وخطب وكتب.
وقد جمعت مادة هذا الكتاب من مقالات نُشرت في الصحف والمجلات وأحاديث أُلقِيَت على المنابر أو أُذيعَت في الإذاعات بين عامَي ١٩٣٦ و١٩٩٠، أي في مدى يزيد على نصف قرن من الزمان، وبعض مقالاته كتبها جدي ﵀ ثم لم يُذِعْها ولم ينشُرْها قط.
وكما يحصل معي في كل مرة، وجدت -وأنا أُعِدّ مادته وأرتّبها- مقالات وأحاديث عديدة فيها مشابَهة وتكرار، فاخترت
[ ٧ ]
من كل متشابهَين أفضلَهما وضحّيت بالآخر، وبقي -بعد ذلك- من المقالات والأحاديث ما يمكن أن يجد القارئ في بعضه تشابهًا في اللفظ أو تكرارًا في المعنى، لكنني وجدته أقل من أن يجرّ إلى حذف المقالة كلها فكان مصيرها البقاء.
وهأنذا أقدّم اليوم هذا الكتاب وأنا أسأل الله أن يكتب الثواب لي على إخراجه، ولناشره على نشره بين الناس، وأن يثيب جدي عليه أحسن الثواب، ويجعل كلَّ كلمة فيه وكلَّ حرف في ميزان حسناته يوم الحساب.
مجاهد مأمون ديرانية
غرة المحرّم ١٤٢٩
[ ٨ ]