نشرت سنة ١٩٦٥
زرت الرياض من سنتين بعد غيبة عنها امتدت ثلاثين سنة، فتفضل جماعة من طلبة العلم فاستقبلوني في المطار وصحبوني إلى البلد. وسلكت بنا السيارة شارع الوزارات، نمرّ بتلك المَغاني (الفيلاّت) الجميلات وتلك الأبنية الكبيرات المشرفات، وأنا أنظر إليها نظر المدهوش الذي يُفاجَأ بما لم يكن يتوقع؛ فقد كان عهدي بتلك البقاع أنها صحراء جرداء ما فيها نبت ولا ماء وليس فيها من بناء، وأراها الآن شارعًا ضخمًا في وسطه حديقة ممتدة، فيها الورد والزهر وفيها أنواع الشجر والماء يجري فيها متدفقًا من الأنابيب، والعمارات على جانبيها والسيارات تجري على طرقها!
وكان أصحابي كلما رأوني أزداد دهشة ازدادوا اندفاعًا في الوصف ومبالغة في البيان، ثم قال لي واحد منهم، وقد أخذته نشوة كل دليل يُطلع الغريبَ على جمال بلده: أهذه أول مرة ترى فيها الرياض؟
قلت: إني أعرفها من قبل أن تُولد، ولكن ليست هذه هي الرياض التي أعرفها.
[ ٢٥٣ ]
وكانت السيارة قد بلغت بنا «الديرة»، وصرنا في جوار المسجد الكبير، فتهلل وجهي وأحسست مثل ما يحسه الغريب الضالّ إذا أبصر في زحمة الناس وجهَ حبيب يعرفه ويألفه، وصحت: هذه هي الرياض التي أعرفها، هذه الأسواق الضيقة وهذه المنازل المبنية من اللبن والطين إنّ لي هنا ذكريات، والذكريات هي الحياة، أما تلك الشوارع التي مررنا بها بعد المطار فليس لي فيها ذكرى، فهي -على جمالها- غريبة عني، وهذه -على ما هي عليه- أحسّ كأني منها أو كأنها مني.
وأعجب هذا الكلام أحدَ الجماعة وأثار كمائن نفسه فقال: إي والله، هذه هي بلدنا وهذه حياتنا، فيا ليت هذه المدنية الغربية لم تصل إلينا ولم نَرَها! إن هذه البيوت المبنية من الطين التي لا تنيرها الكهرباء ولا تصل إليها السيارات، وليس فيها البرّادات ولا الغسّالات، خيرٌ من تلك العمارات وما فيها. لقد أفسدت هذه المدنية أخلاقنا وأضاعت علينا ديننا، وما جاءنا منها إلا الشر!
وانبرى له آخر فقال له: أتريد منا أن نعود إلى عهد البداوة في عصر الذرّة والصاروخ، وأن ندع ثمرات الحضارة ونعيش محرومين منها، على حين يستمتع الناس من حولنا بها؟ إنها مدنيّة العصر، ليست لأمّة دون أمة ولا لبلد دون بلد.
وكثر المتكلمون وتداخلت الأصوات، ولكن الأقوال كلها كانت تتردّد بين رأيين: هل علينا أن نأخذ بهذه المدنية بكل ما فيها ونقبلها بخيرها وشرها، لأنه لا بد منها ولا انفكاك عنها، أم علينا أن نتركها ونبتعد عنها لأنها لا توافق أحكام ديننا ولا تمشي مع خلائقنا، ولأن الإسلام ينكر الإقبال عليها والأخذ بها؟
[ ٢٥٤ ]
وأنا رجل من المُخَضْرَمين، عرفت هذه البلاد قبل أن تتصل بها الحضارة الغربية، وعرفتها بعدها. لقد عرفت دمشق وما فيها سيارة واحدة، وما فيها إلا عشرون دارًا فيها الكهرباء، وليس فيها إلا شارع واحد شقّه جمال باشا سنة ١٩١٦، أما الرادّ (الراديو) والرائي (التلفزيون) وأمثالهما فلم يكن قد اختُرع من ذلك شيء.
وزرت جدة أيام كانت جدة محاطة بسور له أبواب تغلق كل عشيّة وتفتح في النهار، ولا يدخل إليها ولا يخرج منها إلا من هذه الأبواب، وعرفتها وقد أوشكت أن تصير مثل الإسكندرية أو بيروت. وعرفت الرياض سنة ١٩٣٥، والرياض التي ترونها الآن وإني لأفكر وأوازن بين الحالين وأسأل نفسي: هل ربحنا أم خسرنا؟
أي الفريقين أهدى وأصوب رأيًا: من يريد منا أن نأخذ بهذه الحضارة أخذًا كاملًا، أم من يريد أن نتركها وننصرف عنها؟
الحق بين الفريقين، فلا هؤلاء على حق ولا هؤلاء؛ لقد ربحنا باقتباسنا من هذه الحضارة وخسرنا، وكل شيء في الدنيا فيه ربح وفيه خسارة. إن هذه الحضارة ليست شرًا محضًا، وليست كذلك خيرًا محضًا، فالقول بأن نتركها كلها مردود، والقول بأن نأخذها كلها مردود.
وهل نستطيع أن نتركها بعدما انغمسنا فيها وصارت هي عماد حياتنا؟ إن من يطلب ذلك يطلب ما لا يكون. ولو نحن استطعنا تركها فهل من المصلحة أن نتركها؟
أيريد هؤلاء أن نغلق المستشفيات ونطرد الأطباء، وأن نلغي
[ ٢٥٥ ]
شركة الخطوط الجوية ونبيع طيّاراتها، وأن نذهب إلى الحج من الرياض إلى مكة على الإبل، فنمضي على الطريق عشرين يومًا بدلًا من أن نذهب في ساعة وبعض الساعة في الطيّارة، وأن نَحُلّ شركة الكهرباء ونرفع أسلاكها من الشوارع ونرجع إلى الشمع وسُرُج الزيت، وأن نحارب اليهود بالسيف والرمح بدلًا من المدفع والصاروخ؟
ولماذا نفعل ذلك؟
* * *
أما الإسلام فلا يوجب علينا أن نترك هذه الحضارة بكل ما فيها، فلا تحتجّوا بالإسلام. الإسلام قد حرّم محرمات وفرض فرائض، وترك أمورًا على الإباحة الأصلية؛ فما حرّمه الإسلام نتركه ولو أجمع أهل الأرض على قبوله والعمل به، وما أوجبه نأتيه ولو اتفق سكان المعمورة على استنكاره والإعراض عنه، وما كان من المباحات، مما لم يَدْعُ الإسلام إلى الأخذ به ولا إلى تركه، ننظر: فإن كان فيه نفع لنا أخذناه، لأن الحكمة ضالّة المؤمن، ولأن المصلحة العامة هنا مقصد من مقاصد الشارع. وفي مثل هذا (١) يقول ابن القَيّم: «إن الحكم الشرعي يدور مع المصلحة، فحيثما تحققت فثَمّ شرع الله»، ولأن علينا أن نعمل لدنيانا كما نعمل لآخرتنا: ﴿وَلا تَنْسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا﴾، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللهِ التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق؟﴾.
_________________
(١) لا فيما ورد فيه النص كما ظن خطأً الأستاذ الجليل عبد الوهاب خلاّف في كتابه «السياسة الشرعية».
[ ٢٥٦ ]
ثم إننا لسنا غرباء عن هذه الحضارة ولا واغلين عليها، بل نحن شركاء فيها، نحن من أصحابها.
إن الحضارات نوعان (كما قسّمها شبنكلر في كتابه المشهور): حضارات محلية كحضارات الهند والصين، وحضارة عالمية. والحضارة العالمية بناءٌ من ثلاثة أدوار اشترك فيه ثلاثة بانين: أما الدَّور الأول فقد بناه المصريون والفينيقيون واليونان، ومَن شاركهم فيه وأعانهم عليه، والثاني بناه المسلمون، والثالث بناه الغربيون. وكل دور منها يقوم على ما تحته، فلولاه ما قام. فنحن شركاء في هذه العمارة، لنا فيها دور من ثلاثة، ولسنا مستأجرين ولا مُسْتَجْدين ولا معتدين، نحن من أصحاب الدار.
ولكن ليس معنى هذا أن نقبلها بكل ما فيها. إن فيها شرورًا كثيرة ومفاسد مردّها جميعًا إلى أصلين: أحدهما ما تحمله من أفكار ومبادئ فيها ما يزيغ المؤمن عن شرعة الحق وما يضله عن سبيل الهدى. والثاني هو أشد وأنكى، ما يغلب على هذه الحضارة من تهاون بمسائل الجنس وإطلاق للشهوات، وهو أشد، لأن الأول (وإن كان فيه الكفر أحيانًا) لا يجد عند كل شاب استعدادًا لقبوله، أما الثاني فإنه يجد القبول في كل نفس لأن الله ركّب في نفس كل شاب الميل إلى المرأة، فمن عمد إلى إثارة الشهوات وأيقظ الغريزة استهوى بذلك الشباب جميعًا إلا من عصم الله بعصمته، وقليلٌ ما هم، بل أقل من القليل.
* * *
فإذا أردنا أن نصحّح موقفنا من هذه الحضارة فلنصنع مثل
[ ٢٥٧ ]
الذي صنع أجدادنا لمّا اتصلوا بالفرس وغيرهم من الشعوب ذوات الحضارات الأولى. إنهم أخذوا من حضاراتهم وعيونُهم مفتحة وعقولُهم حاضرة، وميزان الشرع في أيديهم، لم يأخذوها عمى ولا تقليدًا، ولم يقلّدوا أهلها تقليد القردة بلا نظر ولا علم.
هذا هو الحق وهذا هو طريق الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، فما كان فيها من مخترَعات نافعة، وما كان من تقدم علمي، وما كان من رفاهية وراحة ليس فيها محرَّم هذا نأخذه كله. وما كان فيها من تهاون بالفضائل والعفاف، وإطلاق للغرائز والشهوات، وتسهيل للزنا، وتصعيب للزواج، وهذه القصص التي فيها الأدب المكشوف والأفلام التي تُعلِّم الناشئة فنون الغرام وطرق الإجرام هذا نتركه كله، كما نترك كل فلسفة وكل علم وكل مذهب اجتماعي ينافي أحكام ديننا.
ولا بد من تفصيل لهذا الإجمال، لعله يأتي إن شاء الله فيما سيجيء من المقال (١).
* * *
_________________
(١) نُشرت هذه المقالة في مجلة «الوعي الإسلامي»، في العدد السادس من أعداد سنتها الأولى، ولم أجد في الأعداد اللاحقة أي عودة إلى هذا الموضوع. على أن في محاضرة «موقفنا من الحضارة الغربية» (التي ألقاها جدي ﵀ في الرياض بعد ذلك بثماني سنين، في الدورة الأولى للندوة العالمية للشباب الإسلامي)، في هذه المحاضرة تفصيل واسع وإحاطة بالموضوع كاملة، فمن شاء قرأها في كتاب «فصول إسلامية» (مجاهد).
[ ٢٥٨ ]