١٥ - خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وقد دلَّ على هذه الفضائل الثلاث حديث أبي هريرة - ﵁ -: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى: كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة (٢)، وإذا كان يومُ صَوْمِ أحدِكم فلا
_________________
(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر ٦/ ٦٠٥، وسمعت نحو هذا من سماحة شيخنا ابن باز، أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٣٥.
(٢) الصيام جنة: أي وقاية من النار، وعند أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح: «الصيام جنة ما لم يخرقها»، زاد الدارمي: «بالغيبة»، فتح الباري، لابن حجر (٤/ ١٠٤)، واختار الإمام النووي: أن معنى الصوم جنة: ستر من الإثم، وستر من النار، وستر من الرفث. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٢٧٩].
[ ١٩ ]
فضائل الصيام وخصائصه
يرفث (١) ولا يصخب (٢)، فإن سابَّهُ أحدٌ أو قاتله (٣)
فليقل: إنِّي امرؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمد بيده! لخلوفُ فم الصائم (٤) أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومه»، وفي لفظ للبخاري: «الصيام جُنَّة، فلا يرفث،
_________________
(١) الرَّفَث: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع، وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقًا: أي ذكره مع النساء وغيرهن. [فتح الباري لابن حجر،٤/ ١٠٤].
(٢) ولا يصخب: الصخب والسخب: الخصام والصياح، والمراد بالنهي هنا تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضًا. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ١١٨].
(٣) سابّه أحد: أي شتمه، أو قاتله: أي تهيأ لمقاتلته؛ فإنه إذا قال: إني صائم أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأحفِّ: كالصائل. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ١٠٥].
(٤) خلوف فم الصائم: تغير رائحته بسبب الصيام. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ١٠٥].
[ ٢٠ ]
ولا يجهل (١) فضائل الصيام وخصائصه
وإن امرُؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم - مرتين - والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلى، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها»، وفي لفظ لمسلم: «كلُّ عملِ ابن آدم يُضاعف له: الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله - ﷿ -: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك»، وفي لفظ لمسلم: « وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٢) (٣).
_________________
(١) ولا يجهل: أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل: كالصياح، والسفه، ونحو ذلك، ولا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ١٠٤].
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم ١٨٩٤، وباب هل يقول: إني صائم إذ اشتم، برقم ١٩٠٤، ومسلم، كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم برقم ١١٥١، وباب فضل الصيام برقم ١٦٤ - (١١٥١).
(٣) وهذا الحديث يستفاد منه فوائد، منها: أولًا: أن الصيام لله تعالى، وهو الذي يجازي عليه، والأعمال الصالحة لله تعالى، ولكن الصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فلا يدخله الرياء بالفعل، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يخبر بأنه صائم؛ ولهذا: الصيام سرٌّ بين العبد وربه. ثانيًا: الصوم صبر على آلام الجوع والعطش، والصابرون يوفَّون أجرهم بغير حساب؛ ولأن الصوم يتضمن كسر النفس. ثالثًا: محبة الله تعالى للصيام؛ ولهذا خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. رابعًا: الصيام سبب للسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأن الصائم يدخل عليه السرور عند فطره، وذلك بفرحه بنعمة الله عليه بأن أتم عليه صيامه، وأعانه عليه، ويدخل فيه فرحه بزوال جوعه وعطشه، وكل على حسب حاله، فمنهم من يفرح الفرح المباح بزوال الجوع، ومنهم من يفرح الفرح المستحب بإتمام الصوم والإعانة عليه، ومنهم من يفرح بذلك كله. أما الفرح بالصوم في الآخرة عند لقاء الله تعالى، فهو فرح بما يراه من جزاء الله تعالى وثوابه، وتذكر نعمة الله عليه بتوفيقه لذلك [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٢٧٧ - ٢٨٠، وفتح الباري لابن حجر، ٤/ ١٠٧ - ١١٠، ٧/ ١١٨].
[ ٢١ ]
فضائل الصيام وخصائصه