قال رسول اللَّه - ﷺ -: «الدين النصيحة» رواه مسلم .. لذا أذكِّر نفسي وإياك بهذه النصائح والفوائد:
الأولى: قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الصلاة الوسطى: قال ابن كثير ﵀ بعد أن أورد الخلاف فيها: وقد ثبتت السنة بأنها صلاة العصر (١). انتهى.
وعلى هذا يمكن القول - واللَّه أعلم -: انتظارك صلاة العصر قبل الأذان لا يقل عن استيقاظك قبل الفجر للقيام.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول اللَّه - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل اللَّه» متفق عليه. وعلى هذا يمكن القول واللَّه أعلم: إذا أردت الرضوان فحافظ على الصلاة حفاظ المؤذن على الأذان. ولا يفوتك أن تقرأ فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في (مسألة الجماعة للصلاة) هل واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟ (٢).
الثانية: الابتعاد عن اللهو والأغاني لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] فالقلب المشغول بالأغاني، لا يكون عامرًا بالقرآن. وقد سبق الكلام عن حكم الإسلام في الغناء.
الثالثة: ترتيل القرآن وحفظه والعمل به.
أ- قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لصاحبه». رواه مسلم. وقال - ﷺ -: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه. جاء في «رياض الصالحين» بتحقيق عبد العزيز رباح والدقاق والأرنؤوط ما يلي: «ماهر به» أي: يجيد لفظه على ما ينبغي بحيث لا يتشابه ولا يقف في قراءته. «مع السفرة»: الملائكة الرسل إلى الرسل صلوات اللَّه عليهم. «البررة» أي: المطيعين أي:
_________________
(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (ج١ ص: ٢١٨). (قل).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (ج٢٣ ص: ٢٣٩: ٢٤٣). (قل).
[ ٢٩٤ ]
معهم في منازلهم في الآخرة.
فائدة:
قال ابن تيمية: من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومن قرأ القرآن وتدبره ولم يعمل به فقد هجره.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من قرأ حرفًا من كتاب اللَّه فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
وروي أنه جاء في التوراة: إن اللَّه تعالى يقول: أما تستحي مني، يأتيك كتاب (يعني: خطاب) من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفًا حرفًا، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كيف فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، فكنت أهون عليك من بعض إخوانك، يا عبدي! يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك، وتصغي إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف، وها أنا مقبل عليك ومحدث وأنت معرض بقلبك عني، أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟!
ب- أهل القرآن: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أهل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته» (٢)، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون. وقال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده. وقال وهيب بن الورد: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.
فائدة:
جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀، قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتَخذوا تلاوته عملًا، ولهذا كان أهل القرآن هم العاملون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم (٣). انتهى.
جـ- واحرص دائمًا على أن تجمع بين علوم القرآن والسنة (على الأقل معرفة ترتيل
_________________
(١) صحيح - انظر «صحيح سنن الترمذي». (قل).
(٢) صحيح - رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن أنس - انظر «صحيح الجامع». (قل).
(٣) «زاد المعاد» (ج١ ص: ٣٣٧). (قل).
[ ٢٩٥ ]
القرآن وفهم مفرداته وما يعلم من الدين بالضرورة) وبين علوم الدنيا، وإلا فكما يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
قال ابن كثير: (أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة)، قال الحسن البصري: واللَّه ليبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية: يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال) (١). انتهى.
ويمكنك إذا كنت لا تجيد قراءة القرآن أن تذهب إلى أقرب مسجد لتتعلم فيه كيفية التلاوة، وهناك طريقة سهلة، وهي أنك تأتي بشرائط القرآن المرتل (٢)، ثم تتابع مع الشريط في المصحف، وإذا لم يكن في إمكانك الحصول على تلك الشرائط، فيمكنك أن تستمع إلى محطة القرآن الكريم وتتابع مع القارئ في المصحف أيضًا. ويمكنك أن تختم القرآن ولو مرة على الأقل في الشهر بأن تقرأ جزءًا في كل يوم حتى لا تكون من الذين قد هجروا تلاوة القرآن.
الرابعة: عليك بصيام التطوع، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل اللَّه إلا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» أي: مدة سير سبعين عامًا كما قال العلماء. متفق عليه.
جاء في «الصحيحين»: قال اللَّه تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» قال ابن رجب الحنبلي في «لطائف المعارف»: (ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، وقيل: ليس فيه رياء؛ كذا قال الإمام أحمد وغيره).
وصيام التطوع ما يلي:
١ - يوم عرفة لغير الحاج وهو تاسع ذي الحجة. لقوله - ﷺ -: «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية». رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
٢ - يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء، وهما العاشر والتاسع من شهر المحرم؛ لقوله - ﷺ -: «لئن
_________________
(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (ج٣ ص: ٤٨، ٤٩). (قل).
(٢) حبذا شرائط الحصري رحمه اللَّه تعالى المرتلة. (قل).
[ ٢٩٦ ]
بقيت إلى قادم لأصومن التاسع» - يعني: مع يوم عاشوراء - كما في «فقه السنة». رواه أحمد ومسلم، وأما عن صيام الحادي عشر من المحرم فقد جاء في رسالة المشروع وغير المشروع في شهر اللَّه المحرم (وما يذكره البعض من استحباب صيام الحادي عشر مع عاشوراء حديثه لم يصح، لا عن النبي - ﷺ -، ولا عن ابن عباس ﵄، ولكن لا خلاف في مشروعية صيام يوم الحادي عشر لمطلق حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم والذي يدل على استحباب الإكثار من الصيام في شهر اللَّه المحرم) ..
٣ - صيام ستة أيام من شوال. لقوله - ﷺ -: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر». رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. هذا لمن صام رمضان كل سنة. قال العلماء: الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشر شهور، والأيام الستة بشهرين. وعند أحمد: أنها تُؤَدَّى متتابعة وغير متتابعة، ولا فضل لأحدهما على الآخر، وعند الحنفية والشافعية: الأفضل صومها متتابعة عقب العيد كذا في «فقه السنة».
٤ - الإكثار من الصيام في شعبان، وخاصة النصف الأول منه، وذلك لفعله - ﷺ - ذلك فقد صح عنه - ﷺ - أنه كان يصوم شعبان إلا قليلًا.
٥ - العشر الأول من شهر ذي الحجة وفيه خلاف (١). قالت عائشة: ما رأيته [أي - ﷺ -] صائمًا في العشر قط. ذكره مسلم.
٦ - شهر المحرم لقوله - ﷺ - عندما سئل عن الصيام: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر اللَّه المحرم الذي تدعونه المحرم». رواه مسلم.
٧ - الأيام البيض من كل شهر وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. لقول أبي ذر الغفاري - نقلًا عن «فقه السنة» - أمرنا رسول اللَّه أن نصوم من الشهر الثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هي كصوم الدهر، رواه النسائي وصححه ابن حبان.
٨ - صيام يوم الإثنين. لقوله - ﷺ -: «إن الأعمال تعرض كل يوم اثنين وخميس، فيغفر اللَّه لكل مسلم، أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين، فيقول: أخِّرْهما». رواه أحمد بسند صحيح - كما في «فقه السنة».
والمقصود بالمتهاجرين: أي لغير اللَّه، فإذا كان أحدهما يهجر الآخر لله - خاصة بعد النصح والإرشاد - فلا إثم عليه، بل يؤجر على ذلك. واللَّه أعلم.
_________________
(١) «زاد المعاد» (ج٢ ص: ٦٥). (قل).
[ ٢٩٧ ]
٩ - صيام يوم الخميس.
١٠ - صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود ﵇). لقوله - ﷺ - في «الصحيحين»: « وأحب الصيام إلى اللَّه تعالى صيام داود يصوم يومًا ويفطر يومًا»، ولقوله - ﷺ - لعبد اللَّه بن عمرو - كما في «الصحيحين» نقلًا عن «اللؤلؤ والمرجان» - «لا صوم فوق صوم داود ﵇، شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا».
١١ - الصيام للعزب الذي لم يستطع الباءة.
١٢ - كان رسول اللَّه - ﷺ - يصوم السبت والأحد كثيرًا، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى وكان - ﷺ - يقول: «إنهما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم» (١).
١٣ - وفي «زاد المعاد»: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام»، ذكره أبو داود والنسائي وحسنه الأرنؤوط، وقالت عائشة لم يكن يبالي من أي الشهر صامها. ذكره مسلم، ولا تناقض بين هذه الآثار.
١٤ - وفي «صحيح الجامع» أنه - ﷺ - كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر. صحيح - رواه الترمذي.
١٥ - وكان - ﷺ - يدخل على أهله فيقول: «هل عندكم شيء؟» فإن قالوا: لا، قال: «إني صائم» فينشئ النية للتطوع من النهار (٢)، وجاء في «فقه السنة»: (وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار، إن لم يكن قد طعم، قالت عائشة: دخل عليّ النبي - ﷺ - ذات يوم فقال «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «فإني صائم». رواه مسلم وأبو داود. واشترط الأحناف أن تقع النية قبل الزوال [أي: قبيل الظهر]، وهذا هو المشهور من قولي الشافعي. وظاهر قولي ابن مسعود وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال، وبعده، على السواء). اهـ.
واحذر تلبيس إبليس في كونه يجعلك تتناول شيئًا من الطعام أو الشراب بعد الفجر مباشرة في أيام الصيام - حتى يفوت عليك نعمة صيام النفل، فإن نويت وصبرت زال عنك تلبيس إبليس من ناحية الجوع والعطش.
تنبيه:
وكان - ﷺ - إذا كان صائمًا ونزل على قوم أتم صيامه ولم يفطر، أما الحديث
_________________
(١) «زاد المعاد» (ج٢ ص: ٧٨) خصوصًا الهامش، والحديث أخرجه أحمد وحسنه وقال الأرنؤوط: سنده حسن. (قل).
(٢) «زاد المعاد» (ج٢ ص: ٨٣: ٨٥). (قل).
[ ٢٩٨ ]