أولًا: قال اللَّه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ - كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ - لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ - ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١ - ٨].
جاء في «مختصر ابن كثير» ما مختصره: يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن الطاعة، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى يأتيكم الموت (١). وقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد، وعن أبيّ بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يعني: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب» (٢). وروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول اللَّه - ﷺ - وهو يقول: «﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» (٣).
وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (٤).
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» (٥).
وعن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «يهرم ابن آدم وتبقى معه اثنتان: الحرص، والأمل» (٦). وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس أنه رأى في يد رجل درهمًا فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقل الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم.
(٢) رواه البخاري في الرقاق.
(٣) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي.
(٤) تفرد به مسلم.
(٥) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
(٦) أخرجاه في «الصحيحين».
[ ٧٢ ]
أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلًا قول الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك
وقوله تعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها الكفار، ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم اللَّه به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته (١). انتهى.
ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى - وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣١، ١٣٢].
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: يقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم. ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وفي «الصحيح» أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول اللَّه - ﷺ - في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ (٢) واهية معلقة، فابتدرت عينا عمر
_________________
(١) «مختصر تفسير ابن كثير للصابوني» (ج ٣ ص: ٦٧١: ٦٧٣). (قل).
(٢) صبرة: مجموعة، قرظ: ورق السلم، وهو شجر شائك يستعمل ورقه في دبغ الجلود.
[ ٧٣ ]
بالبكاء، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول اللَّه، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة اللَّه من خلقه! فقال: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا». فكان - ﷺ - أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد اللَّه، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح اللَّه لكم من زهرة الدنيا»، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول اللَّه؟ قال: «بركات الأرض» (١).
وقال قتادة والسدي: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ﴾ يعني: زينة الحياة الدنيا.
وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم، وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي: استنقذهم من عذاب اللَّه بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقوله: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]،. ولهذا قال: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، وقال الثوري: لا نسألك رزقا: أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم، عن ثابت قال: كان النبي - ﷺ - إذا أصابه خصاصة نادى أهله يا أهلاه صلوا، صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وقال رسول اللَّه - ﷺ -: «يقول اللَّه تعالى يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسدّ فقرك» (٢).
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همه فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣)، وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة لمن اتقى اللَّه (٤) .. انتهى.
ثالثًا: يقول رسول اللَّه - ﷺ -: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». رواه الترمذي وصححه. وصححه الألباني.