جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره (٢):
١ - آكدها تجنب الحرام مأكلًا ومشربًا وملبسًا، [وقد تقدم الكلام عن هذه النقطة لابن القيم ﵀ فأغنى عن أن آتي بها من «تحفة الذاكرين»].
٢ - الإخلاص لله تعالى: لقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
٣ - تقديم عمل صالح: يدل على ذلك حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، كما في «الصحيحين» وغيرهما، فإن النبي - ﷺ - حكى عنهم: أنهم توسل كل واحد منهم بأعظم أعماله التي عملها لله ﷿، فاستجاب اللَّه دعاءهم، وارتفعت عنهم الصخرة، وكان ذلك بحكايته - ﷺ - لأمته سنة، [معنى ذلك أنك إذا قمت مرة بعمل تظن أنه مقبول عند اللَّه تعالى، فيمكنك أن تقول: اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا العمل «كبكاء مرة من خشية اللَّه، أو إعانة محتاج أو تفريج كربة » خالصًا لوجهك ففرج عني ما أنا فيه].
٤ - الوضوء: وقد صح أنه - ﷺ - لما سلم عليه بعض الصحابة تيمم من جدار الحائط ثم رد عليه، وإذا كان هذا في مجرد رد السلام، فكيف بذكر اللَّه سبحانه، فإنه أولى بذلك، وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس عنه - ﷺ -: «كرهت أن أذكر اللَّه إلا على طهر» وصححه ابن خزيمة، والدعاء ذكر.
٥ - استقبال القبلة: وقد استقبلها - ﷺ - في دعائه في غير موطن، كما في يوم بدر، أخرجه مسلم وغيره (٣).
_________________
(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (ج٣ ص: ٢٤٩). (قل).
(٢) راجع «تحفة الذاكرين» للشوكاني (ص: ٣٤: ٣٩). (قل).
(٣) هذا دليل الاستحباب، أما دليل الجواز - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في فصل التوسل بالأنبياء والصالحين ٠ في حديث الاستسقاء، وفيه أن رسول اللَّه - ﷺ - رفع يديه - وهو قائم يخطب يوم الجمعة، أي على المنبر، مستقبل المصلين - ثم قال: «اللهم أغثنا » والحديث في «صحيح البخاري»، قال ابن حجر في «الفتح» (جـ ١١ ص ١٤٨) باب الدعاء غير مستقبل القبلة (ووجه أخذه من الترجمة من جهة أن الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة، وأنه لم ينقل أنه - ﷺ - لما دعا في المرتين استدار). (قل).
[ ١٣٥ ]
٦ - الصلاة: [كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى عند الكلام عن صلاة الحاجة].
٧ - الثناء (١) على اللَّه تعالى.
٨ - الصلاة على نبيه - ﷺ - (٢): «وليصل على النبي» [وقد تقدم].
٩ - بسط يديه ورفعها حذو منكبيه لقول رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه حييٌ كريم يستحي إذا رفع الرجل يديه إليه أن يردهما خائبتين». أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. [وصححه الألباني]- وقد تقدم.
١٠ - التأدب والخشوع والمسكنة: فأما ما يدل على التأدب: ما رواه مسلم من حديث علي ﵁ وفيه: «أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي» وأما ما يدل على الخشوع: ما رواه ابن أبي شيبة من قول مسلم بن يسار قال: «لو كنت بين يدي ملك تطلب حاجة لسرك أن تخشع له» وأما ما يدل على المسكنة: ما ورد عن النبي - ﷺ - في أحاديث الاستسقاء.
١١ - أن يسأل بأسماء اللَّه تعالى العظام الحسنى: ويدل على ذلك قول اللَّه ﷿: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. [وقد ذكر المؤلف أن العلماء قد اختلفوا في تعيين اسم اللَّه الأعظم على نحو أربعين قولًا، ولكن أرجح ما ورد في تعيين الاسم الأعظم، ثلاثة أحاديث ذكر منها مؤلف المتن اثنين وذكر الشارح (أي: الشوكاني) الاسم الثالث]:
١ - «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد». أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان وصححه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما من حديث عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه: أن رسول اللَّه - ﷺ - سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك » فقال: «لقد سألت اللَّه تعالى باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب» (٣).
_________________
(١) و(٢) عن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول اللَّه - ﷺ - سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد اللَّه تعالى، ولم يصل على النبي - ﷺ - فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال له، أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد اللَّه، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي، ثم ليدع بعد بما شاء». (صحيح) (د، ت، حب، ك، هق) عن فضالة بن عبيد «صفة الصلاة» (٧٢)، «صحيح أبي داود» (١٣٣١): (حم، ن) انظر «صحيح الجامع». (قل).
(٢) وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». (قل).
[ ١٣٦ ]
٢ - «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» الحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان وصححه ولفظ ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «لقد دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». [حسن صحيح - انظر «صحيح سنن ابن ماجه»].
٣ - «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». الحديث أخرجه الترمذي (١)، والحاكم في «المستدرك»، وأحمد في «المسند»، ولفظ الترمذي: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللَّه له». وزاد الحاكم في طريق عنده: فقال رجل: يا رسول اللَّه، هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «ألا تسمع قول اللَّه ﷿: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [أي: يونس] ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]» (٢).
١٢ - الأدعية المأثورة [مثال ذلك: من كان عليه دين، فلو أنه قال: اللهم اقضِ ديني، فهذا خير، ولكن الدعاء المأثور عن النبي - ﷺ - هنا: ما رواه الترمذي عن علي ﵁ أن مكاتبًا له جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي، فأعني، فقال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللَّه - ﷺ - لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا إلا أداه اللَّه عنك، قل: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك» (٣)].
١٣ - ويخفض صوته: لحديث «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا». وهو في الصحيحين.
١٤ - ويعترف بذنبه: لقوله - ﷺ - في حديث علي ﵁ عند مسلم: «ظلمت
_________________
(١) وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي». (قل).
(٢) جاء في «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ٢٠٨): (وأما دعوة ذي النون: فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى اللَّه سبحانه في قضاء الحوائج، فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثبات كل كمال للَّه، وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه، والاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب. ويوجب انكساره ورجوعه إلى اللَّه، واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف). اهـ. فهذه الآية تشتمل على التوحيد والتسبيح والاستغفار، وهي أيضًا من أدعية الكرب. (قل).
(٣) وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». (قل).
[ ١٣٧ ]
نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا».
١٥ - ويبدأ بنفسه: لقول ابن عمر ﵄: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب (١).
[قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١].
١٦ - ولا يخص نفسه إن كان إمامًا: لحديث «لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم». أخرجه الترمذي وحسنه (٢) [جاء في الهامش]: قال المصنف في «مفتاح الحصن»: وذلك فيما يؤمن المأمومون عليه من دعاء كالقنوت فهو خيانة لهم، أما إذا دعا لنفسه في السجود مثلًا، وهو إمام فليس بخيانة. اهـ.
١٧ - ويسأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد: لقوله - ﷺ -: «إذا دعا أحدكم فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له» رواه البخاري. [وقد تقدم].
١٨ - ويحضر قلبه ويحسن رجاءه (٣).
١٩ - ويكرر الدعاء، أخرج مسلم في «صحيحه»: أنه - ﷺ - «كان إذا دعا كرر ثلاثًا».
٢٠ - ولا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم: لقوله - ﷺ -: «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم» أخرجه مسلم. [وقد تقدم].
٢١ - ولا بأمر قد فرغ منه: وقد روى مسلم والنسائي ما يدل على ذلك من حديث أم حبيبة ﵂ لما سمعها النبي - ﷺ - تدعو له - ﷺ - ولأبيها ولأخيها أن يمتعها اللَّه بهم فقال - ﷺ -: «لن يعجل اللَّه شيئًا قد أجله».
٢٢ - ولا بمستحيل: ووجه ذلك أن الدعاء بالمستحيل من الاعتداء في الدعاء، وقد ثبت النهي القرآني عنه فقال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. انتهى من «تحفة الذاكرين».
_________________
(١) صحيح كما في «صحيح الجامع». وقد تقدم. (قل).
(٢) والحديث ضعيف وفي آخره جملة صحيحة وهي [ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن (انظر صحيح سنن الترمذي للألباني)]. (قل).
(٣) لقوله - ﷺ -: «ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (حسن) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة - «الصحيحة» (٥٦٤) - انظر «صحيح الجامع»، وللأرنؤوط وباجس أثابهما اللَّه تعالى كلام حول هذا الحديث في «جامع العلوم والحكم» (جـ ٢ ص ٤٠٣)، ومعنى «من قلب غافل» - كما في «تحفة الأحوذي» (ج ٩ ص ٣٦٠): أي معرض عن اللَّه أو عما سأله «لاه» «من اللهو أي لاعب بما سأله أو مشتغل بغير اللَّه تعالى». (قل).
[ ١٣٨ ]
وعن أبي نعامة أن عبد اللَّه بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. قال: يا بني سل اللَّه الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء». (صحيح) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم - انظر «صحيح الجامع».
جاء في «عون المعبود شرح سنن أبي داود» لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي رحمه اللَّه تعالى (جـ١ ص ١٦٩، ١٧٠) ما مختصره:
(باب الإسراف في الوضوء) الزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء، أو إسراف في الماء للوضوء على قدر الحاجة.
(القصر الأبيض) القصر: هو الدار الكبيرة المشيدة؛ لأنه يقصر فيه الحرم. كذا في التوسط (إذا دخلتها) أي الجنة (قال) عبد اللَّه لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات. قال بعض الشراح: إنما أنكر عبد اللَّه على ابنه في هذا الدعاء لأن ابنه طمع ما لا يبلغه عملًا حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب، وقيل: لأنه سأل شيئًا معينًا واللَّه أعلم (إنه) الضمير للشأن (يعتدون) يتجاوزون عن الحد (في الطهور) بضم الطاء وفتحها، فالاعتداء في الطهور بالزيادة على الثلاث، وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حد الوسواس وحديث ابن مغفل هذا يتناول الغسل والوضوء وإزالة النجاسة (الدعاء) عطف على الطهور، والمراد بالاعتداء فيه المجاوزة للحدّ، وقيل الدعاء بما لا يجوز ورفع الصوت به والصياح، وقيل سؤال منازل الأنبياء ﵈. حكاها النووي في شرحه. وذكر الغزالي في الإحياء أن المراد به أن يتكلف السجع في الدعاء. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا منه على الدعاء). انتهى من «عون المعبود»، ونكمل الكلام من «تحفة الذاكرين».
٢٣ - ولا يتحجر: ووجه ذلك أن النبي - ﷺ - لما سمع الأعرابي يقول: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، قال له: «لقد تحجرت واسعًا». وهو ثابت في «الصحيح».
٢٤ - ويسأل حاجته كلها (١).
٢٥ - ويؤمن الداعي والمستمع: أقول: وجهه أن التأمين بمعنى طلب الإجابة من الرب
_________________
(١) لقوله - ﷺ - كما في «صحيح الجامع» برقم (٥٩١ - ٢٧٠): «إذا سأل أحدكم فليكثر؛ فإنما يسأل ربه». (صحيح) ابن حبان عن عائشة «الصحيحة» (١٣٢٥)، والحديث يشمل سؤال الشيء اليسير من باب أولى. (قل).
[ ١٣٩ ]
سبحانه، واستنجازها، فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له، وقد ورد في «الصحيح» ما يرشد إلى ذلك.
٢٦ - ولا يستعجل أو يقول: دعوت فلم يستجب لي؛ لقوله - ﷺ - في «الصحيحين»: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي». [وقد تقدم].
٢٧ - ويتوسل إليه تعالى بأنبيائه والصالحين: أما التوسل بالصالحين: فمنه ما ثبت عن الصحابة في «الصحيح» أنهم استسقوا بالعباس ﵁ عم رسول اللَّه - ﷺ -، وقال عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، فالآن نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، ثم طلب من العباس أن يدعو اللَّه، فقام العباس فدعا اللَّه تعالى، فسقاهم اللَّه.
تنبيه:
سيأتي الكلام إن شاء اللَّه تعالى عن حكم التوسل بالأنبياء بعد موتهم، وما أنقله من كلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى في هذه المسألة كرد على كلام الشوكاني].
* * *