جاء في «تحفة الذاكرين» ما مختصره:
أولًا: قال رسول اللَّه - ﷺ - «من تعار من الليل» أي: استيقظ من النوم «فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان اللَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» رواه البخاري في «صحيحه».
ثانيًا: أخرج الطبراني من حديث معاوية في «الكبير» قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من دعا بهؤلاء الخمس لم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» بإسناد حسن، وهذه الكلمات الخمس:
الأولى منهن قوله: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له»، والثانية: «له الملك وله الحمد»، والثالثة: «وهو على كل شيء قدير»، والرابعة: «لا إله إلا اللَّه»، والخامسة: «ولا حول ولا قوة إلا باللَّه» انتهى من تحفة الذاكرين.
ثالثًا: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام».
(صحيح) (ت) عن أنس، (حم، ن، ك) عن ربيعة بن عامر، «الصحيحة» (١٥٣٦): ابن أبي شيبة - أنس. تخ، ابن منده، ابن عساكر - ربيعة. ك - أبي هريرة، انظر «صحيح الجامع».
وجاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٩ ص ٤٠٤): («ألظوا بياذا الجلال والإكرام»: أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، يقال: ألظ بالشيء يلظ إلظاظًا إذا لزمه وثابر عليه. كذا في «النهاية»). اهـ.
رابعًا: جاء في «جامع العلوم والحكم» (١): قال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك. وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب ثلاث مرات إلا نظر اللَّه إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ - رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩١: ١٩٤].
انتهى من «جامع العلوم والحكم».
_________________
(١) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤). (قل).
[ ١٤٤ ]
خامسًا: أدعية الكرب: وهي مختصرة من «زاد المعاد» لابن القيم رحمه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ١٩٦: ٢٠٩) مع تقديم وتأخير في الشرح:
١، ٢ - أخرجا في «الصحيحين» من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم» (١).
خلق اللَّه سبحانه ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالًا إذا فقده أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالًا، إذا فقده، حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان.
فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها.
والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ورهنٌ مقيم عليه.
ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده.
وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها.
فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم، فليقلل من الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب، فليترك الآثام. وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض. قال طبيب القلوب عبد اللَّه بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانُها
وترك الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخير لنفسك عصيانُها
فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده، وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه، فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء، ويتعذر معها الشفاء، والمصيبة العظمى، أنها تركب ذلك على القدر، فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان.
وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة، فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملًا على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة، والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها. والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له. وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه.
فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى.
ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها). اهـ من «زاد المعاد».
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في «الفتح» (ج١١ ص ١٥١، ١٥٢).
قال الطبري: معنى قول ابن عباس «يدعو» وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين:
أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء كما ورد في طريق يوسف بن عبد اللَّه بن
_________________
(١) هذه الرواية غير التي أوردها ابن القيم في «زاد المعاد» وإنما هي متفق عليها نقلًا عن «الفتح» (جـ١١ ص٤١٦) و«شرح مسلم» (جـ١٧ ص ٧٣)، وفي رواية أخرى للبخاري كان النبي - ﷺ - يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم» وانظر «جامع الأصول» (جـ٤ ص ٢٩٤) لابن الأثير رحمه اللَّه تعالى حيث ذكر تفصيلًا آخر. (قل).
[ ١٤٥ ]
الحارث المذكورة وفي آخره «ثم يدعو». قلت: وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا الوجه «كان إذا حزبه أمر قال». فذكر الذكر المأثور وزاد «ثم دعا»، وفي «الأدب المفرد» من طريق عبد اللَّه بن الحارث «سمعت ابن عباس» فذكره وزاد في آخره: «اللهم اصرف عني شره». قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء.
ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: «سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي - ﷺ - بعرفة لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له» الحديث فقال سفيان: هو ذكر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي - ﷺ - عن ربه ﷿: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» (١) قال وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد اللَّه بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق؟ قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٢)، فإنه لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللَّه تعالى له» أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «ألا تسمع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾».
وقال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن عليّ عليه مدار الفتيا فَسُعِي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي - ﷺ - في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي - ﷺ -: قل لأبي بكر بن عليّ يدعو بدعاء الكرب الذي في «صحيح البخاري» حتى يفرج اللَّه عنه. قال فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا قليل حتى أخرج. انتهى.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة» له من طريق عبد الملك بن عمير قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة
_________________
(١) أثر إسرائيلي ضعيف، لكن الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى يقصد الاستئناس به. (قل).
(٢) هذا هو الدعاء الثاني من أدعية الكرب، وقد تقدم الكلام عليه. (قل).
[ ١٤٦ ]
جلدة وأوقفه للناس، قال فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك، فذكر حديث عليّ باللفظ الثاني، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال: أرى وجه رجل كذب عليه، خلوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي والطبري من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوج عبد اللَّه بن جعفر ابنته قال لها: إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إليّ الحجاج فقلتهن فقال: واللَّه لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إليَّ من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسل حاجتك). اهـ من «الفتح».
تكملة أدعية الكرب من «زاد المعاد»:
٣ - وفي «جامع الترمذي» عن أنس أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا حزبه أمر، قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١).
وفي تأثير قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيُّومِيَّة متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحيُّ المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيُّوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال.
ونظير هذا توسل النبي - ﷺ - إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكَّل اللَّه سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة، فجبريل موكَّل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول المطلوب.
والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات، وكشف الكربات، وفي «السنن» و«صحيح أبي حاتم» مرفوعًا: «اسم اللَّه الأعظم في هاتين الآيتين» ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران: ﴿الم - اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال الترمذي: حديث صحيح (٢).
٤ - وفي «سنن أبي داود» عن أبي بكرة، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٢) في الدعوات، وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف. اهـ. لكن حسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» برقم (٢٧٩٦ - ٣٧٧٣). (قل).
(٢) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأبو داود وأحمد والدارمي من حديث عبيد اللَّه بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، وعبيد اللَّه ليس بالقوي، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد، لكن له شاهد يتقوى به من حديث أبي أمامة مرفوعًا بلفظه: «اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في سور ثلاث: البقرة وآل عمران وطه»، أخرجه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٦٣)، والحاكم (١ - ٥٠٦)، وسنده حسن. اهـ. وقد حسن الألباني الحديث الأول من الهامش، وصحح الثاني - انظر «صحيح الجامع» قال المناوي رحمه اللَّه تعالى في «فيض القدير»: (قال أبو شامة، فالتمستها فوجدت في البقرة في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [الآية: ٢٥٥]، وفي آل عمران: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [الآية: ٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [الآية: ١١١]. (قل).
[ ١٤٧ ]
إله إلا أنت» (١).
وفي قوله: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، وكذلك قوله: «اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا».
٥ - وعن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول اللَّه - ﷺ -: «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب: اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا» (٢).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: «ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب اللَّه حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا» (٣).
وأما حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ابن عبدك» ففيه من المعارف الإلهية، وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب، فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، لأن من ناصيته بيد غيره، فليس إليه شيء من أمره، بل هو عانٍ في قبضته (٤)، ذليل تحت سلطان قهره.
وقوله: «ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك»:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٠): باب ما يقول إذا أصبح، وأحمد (٥/ ٤٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٠١)، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٢٣٧٠)، وقد وهم المصنف ﵀، فجعل الحديث من «مسند أبي بكر الصديق».
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسنده حسن - انظر «صحيح الجامع» -. (قل).
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٣٩٤ و٤٥٢)، وسنده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٣٧٢). اهـ. وفي آخره كما في «المسند» (قال: فقيل: يا رسول اللَّه، ألا نتعلمها؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها). (قل).
(٤) عان في قبضته - أي: أسيرًا - معنى ذلك في «المعجم الوسيط». (قل).
[ ١٤٨ ]
متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد:
أحدهما: إثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها.
والثاني: أنه سبحانه عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو جهله، أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء، وكل شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته، ولهذا قال نبي اللَّه هود صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم، وقد خوفه قومه بآلهتهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
أي: مع كونه سبحانه آخذًا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة، والإحسان والرحمة. فقوله: «ماض في حكمك» مطابق لقوله: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وقوله: «عدل فيَّ قضاؤك» مطابق لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سَمَّى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، وهذه الوسيلةُ أعظم الوسائل، وأحبها إلى اللَّه، وأقربها تحصيلًا للمطلوب.
ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همِّه وغمِّه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطُبوع والأصدية وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه، ويعقبه شفاء تامًّا، وصحة وعافية، واللَّه الموفق). اهـ من «زاد المعاد».
* * *
[ ١٤٩ ]