من آداب الدعاء كما سبق: [ويتوسل إلى اللَّه سبحانه بأنبيائه والصالحين] قال الشوكاني في «تحفة الذاكرين»: «أقول: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم من حديث عثمان بن حنيف ﵁ أن أعمى أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه ادعو اللَّه أن يكشف لي عن بصري. قال: أو أدَعُك. فقال: يا رسول اللَّه، إني قد شق عليَّ ذهاب بصري، قال: «فانطلق فتوضأ فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في» (٢). انتهى من «تحفة الذاكرين».
_________________
(١) «تحفة الذاكرين» (ص: ٥٨، ٥٩). (قل).
(٢) صحيح. انظر «صحيح الجامع» قال الألباني: (وزاد أحمد وابن خزيمة والحاكم «وشفعني فيه» وهو من الأدلة الكثيرة على أن التوسل والتوجه المذكور في الحديث إنما هو بدعائه - ﷺ -، لأن معناها: اقبل شفاعتي، أي: في دعائه، وكذلك قوله: (فشفعه في) أي: اقبل شفاعته أي: دعاءه في. وهذه الزيادة من الكنوز من عرفها استطاع بها أن يطيح بشبهات المخالفين) انتهى. ومن التوسل غير المشروع سؤال اللَّه تعالى بجاه فلان أو بحق فلان، كقول القائل: أسألك بجاه نبيك أو بجاه فلان، وأسألك بحق نبيك أو بحق فلان إذ لا حق لأحد على اللَّه، إنما اللَّه (ذو فضل على العالمين). وقد ذكر المنذري هذا الحديث - نقلًا عن «صحيح الترغيب والترهيب» - تحت عنوان: باب الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها. الشاهد من ذلك أن أصل صلاة الحاجة موجود، لكن الكيفية - خاصة في مغيب النبي - ﷺ - وأيضًا بعد موته - هي التي تحتاج إلى فقه كما سيأتي بعد قليل إن شاء اللَّه تعالى، وقد أشرت في كتابنا «عون الرحمن في حفظ القرآن بزيادة فتح المنان في حمل الفرقان» إلى شيء من ذلك ثم أحلت التفصيل في ذلك على هنا. (قل).
[ ١٥٠ ]
ابن تيمية: لا يجوز التوسل بالنبي - ﷺ - في مغيبه ولا بعد موته
جاء في كتاب «الزيارة» لابن تيمية تحت عنوان السؤال بالجاه ونحوه من البدع ما مختصره: وقالت طائفة: ليس في هذا (١) جواز التوسل به بعد مماته، وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في «صحيح البخاري» أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون. وقد بين عمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أنه يدعوا اللَّه لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه.
كما في «الصحيح» (عن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو باب دار القضاء - ورسول اللَّه - ﷺ - قائمٌ يخطب - فاستقبل رسول اللَّه - ﷺ - قائمًا ثم قال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يغيثنا. فرفع رسول اللَّه - ﷺ - يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا».
قال أنس: ولا واللَّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سَلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء، انتشرت، ثم أمطرت، فلا واللَّه ما رأينا الشمس سِتًّا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة - ورسول اللَّه - ﷺ - قائم يخطب - فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يمسكها عنا. قال: فرفع رسول اللَّه - ﷺ - يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». فال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس) (٢). في هذا أنه قال: ادع اللَّه لنا أن
_________________
(١) أي: ليس في حديث الأعمى السابق. (قل).
(٢) الحديث رقم (١٠١٤) في «صحيح البخاري»، وإنما أشرت إلى ذلك لتعدد الروايات. وجاء في «جامع الأصول» لابن الأثير رحمه اللَّه تعالى (جـ٦ ص ٢٠٢)، و«الفتح» لابن حجر رحمه اللَّه تعالى (جـ٢ ص ٥٨٦، ٥٨٧): السُبل: جمع سبيل، وهي الطريق، أغثنا: الإغاثة، الإعانة: والمراد إعانتهم بإنزال المطر وليس هو من الغيث، فإن فعل الغيث ثلاثي، تقول غاث الغيثُ الأرض: إذا أصابها، وغاث اللَّه البلاد يغيثها غيثًا قَزَعَة:: القزعة - بالتحريك - القطعة من الغيم، والجمع: قزع: سلع: بفتح المهملة وسكون اللام جبل معروف بالمدينة، وقد حكي أنه بفتح اللام. من بيت ولا دار: يحجبنا عن رؤيته. مثل الترس: أي مستديرة، ولم يرد أنها مثله في القدر. سِتًّا: أي ستة أيام تامة. [وفي رواية: سبتًّا]: أي من السبت إلى السبت، أي الجمعة، [فأقلعت: أي فأمسكت السحابة الماطرة]. الآكام: جمع أَكَمَة: وهي الرابية المرتفعة من الأرض. الظِراب: جمع ظَرب، وهي صغار الجبال والتلال. بطون الأودية: والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به). (قل).
[ ١٥١ ]
يمسكها عنا.
فهذا كان توسلهم في الاستسقاء ونحوه، ولما مات توسلوا بالعباس ﵁، كما كانوا يتوسلون به ويستسقون، وما كانوا يستسقون به في موته، ولا في مغيبه، ولا عند قبره، ولا عند قبر غيره (١). انتهى كلام ابن تيمية. فلو كان التوسل بالنبي - ﷺ - بعد موته جائزًا، فلِمَ ترك الصحابة رضوان اللَّه عليهم التوسل به - ﷺ - ثم توسلوا بالعباس (٢)، فقالوا: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؟!. سبحان اللَّه! لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
تنبيه:
قال بعض العلماء: والصواب في هذه النقطة أن يقول المتوسل: اللهم إني أدعوك وأتوسل إليك بإيماني بنبيك - ﷺ - ومحبتي واتباعي لسنته ﵊، لأن الإيمان بالنبي ﵊ ومحبته واتباع سنته من أعظم الأعمال وأجلها وأنفعها عند اللَّه، ومن توسل إلى اللَّه ودعا بهذه الأعمال فقد توسل إليه بأحب الأعمال وأعظمها عند اللَّه تعالى. انتهى.
* * *