قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
في «أيسر التفاسير» للجزائري أثابه اللَّه تعالى: (أي: أظهر حسده وأعمله: أي وتعوذ برب الفلق - أي الصبح - من شر حاسد، أي من الناس إذا حسد، أي أظهر حسده فابتغاك بضر، أو أرادك بشر، أو طلبك بسوء بحسده لك، لأن الحسد طلب زوال النعمة عن المحسود، وسواءً أرادها له أو لم يردها وهو شر الحسد). اهـ.
قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا تحاسدوا» رواه مسلم.
جاء في «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى ما مختصره: (فقوله - ﷺ -: «لا تحاسدوا» يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل.
ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس حيث حسد آدم ﵇ لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه اللَّه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح:
[ ٢٨١ ]
اثنتان أهلك بهما بني آدم: الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانًا رجيمًا، والحرص [وبالحرص] أبيح آدمُ الجنةَ كلَّها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرجه ابن أبي الدنيا.
وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يمكنه إزالة الحسد من نفسه، فيكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثم به.
والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارًا، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحًا إلى تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء، وربما يذكر في موضع آخر إن شاء اللَّه تعالى، لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك، كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩]، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبي - ﷺ - الشهادة في سبيل اللَّه ﷿. وفي «الصحيحين» عنه - ﷺ - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه مالًا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار» (١)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة.
وقسم آخر إذا وجد من نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالته ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرًا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه وهو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٢). اهـ من «جامع العلوم والحكم».
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٢٥) و(٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥)، وأحمد (٢/ ٣٦ و٨٨)، والترمذي (١٩٣٦)، وابن ماجه (٤٢٠٩) من حديث ابن عمر، وصححه ابن حبان (١٢٥).
(٢) «جامع العلوم والحكم» (جـ٢ ص ٢٦٠: ٢٦٣) بتحقيق الأرنؤوط وباجس أثابهما اللَّه تعالى. (قل).
[ ٢٨٢ ]
العين حق
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استُغْسلتم فاغسلوا». رواه أحمد ومسلم.
جاء في «تحفة الأحوذي» (جـ٦ ص ١٨١، ١٨٢):
(«العين» أي: أثرها «حق» لا بمعنى أن لها تأثيرًا بل معنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية بخلق اللَّه تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة.
قوله: «لو كان شيء سابق القدر» بالتحريك أي لو أمكن أن يسبق شيء القدر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له «لسبقته» أي: القدر «العين» لكنها لا تسبق القدر، فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق. قال الحافظ: جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدرَ شيءٌ إذ القدر عبارة عن سابق علم اللَّه وهو لا راد لأمره (١).
وحاصله لو فرض أن شيئًا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها انتهى. قال النووي: فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر اللَّه تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها اللَّه تعالى وسبق بها علمه. فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر اللَّه تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر انتهى). اهـ من «تحفة الأحوذي».
العين: عينان: إنسية وجنية: جاء في «زاد المعاد» لابن القيم ﵀ بتحقيق الأرنؤوط أثابه اللَّه تعالى (جـ٤ ص ١٦٤):
والعين: عينان: عينٌ إنسية، وعينٌ جنِّيّة، فقد صح عن أم سلمة، أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: «استرقوا لها، فإن بها النظرة» (٢).
قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله «سفعة». أي: نظرة، يعني: من الجن. يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح). اهـ.
_________________
(١) انظر تفصيل قوله - ﷺ -: «لا يرد القضاء إلا الدعاء » المتقدم في باب الدعاء برقم (١٥). (قل).
(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ١٧١، ١٧٢) في الطب: باب رقية العين، ومسلم (٢١٩٧) في السلام: باب رقية العين، والسفعة - بفتح السين ويجوز ضمها وسكون الفاء - سواد في الوجه، ومنه سفعة الفرس: سواد ناصيته، وعن الأصمعي: حمرة يعلوها سواد، وقيل: صفرة، وقيل: سواد مع لون آخر، وقال ابن قتيبة: لون يخالف لون الوجه، وكلها متقاربة.
[ ٢٨٣ ]